أراد نفسه -صلى الله عليه وسلم- فإن الله -عز وجل- لكرامته خيره بين أن يعطيه من الدنيا ما شاء، ويبقى فيها ما شاء، وبين أن يعطيه الآخرة ونعيمها في جوار ربه -عز وجل-، فاختار -صلى الله عليه وسلم- الآخرة والرفيق الأعلى.
قوله:«فلم يفطن بها أحد غير أبي بكر فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله».
لم يفطن الصحابة -رضي الله عنهم- لمراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم تعودوا منه في خطبه الأمر والنهي والمواعظ، وما يذكر عن الأمم السابقة، فظنوا أن العبد المخير أحد عباد الله الصالحين من الأمم السابقة، لكن أبابكر فهم المراد، وعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينعي نفسه إلى أصحابه -رضي الله عنهم-، وإلى الصالحين من أمته إلى يوم القيامة، ولذلك فداه أبو بكر -رضي الله عنه-، ولا غرابة فقد كان سباقا إلى كل خير -رضي الله عنه-، وهو بأحوال صاحبه خبير، وقد فهم هذا أبو بكر لما نزلت سورة النصر، وتلاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قوله:«ثم هبط، فما قام عليه حتى الساعة».
المراد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نزل عن المنبر، وكانت هذه الخطبة آخر خطبة ألقاها على أصحابه -رضي الله عنهم- من فوق منبره، وهذا يؤيد أنها كانت قبل وفاته -صلى الله عليه وسلم- بخمس ليال.
ما يستفاد:
* جواز الجلوس في المسجد ولو في غير وقت الصلاة.
* جواز أن يعصب المريض رأسه من الألم، ولا ينافي ذلك التوكل.
* السنة في إلقاء الخطب من على منبر ليراه ويسمعه كل من حضر.
* جواز القسم على ما يقال للتوكيد، ولاسيما إذا كان الخبر فيه بشارة.