أصطلح جمهور الفقهاء على معنى معين للمال هو أوسع من اصطلاح الحنفية (١) . والناظر في تعاريف الجمهور ونصوصهم الفقهية، بهذا الصدد، يستطيع أن يستخلص أن أساس المالية في نظرهم هو:
١- أن يكون الشيء له قيمة بين الناس.
٢- أن تكون هذه القيمة ناتجة من أنه ينتفع به انتفاعا مشروعا، فلا قيمة في نظر الشريعة لأية منفعة اعتبرتها غير مشروعة.
وعلى هذا الأساس يمكننا تعريف المال في اصطلاح الجمهور بأنه:" ما كان له قيمة مادية بين الناس، وجاز شرعا الانتفاع به في حال السعة والاختيار ".
وفيما يلي شرح لألفاظ هذا التعريف:
ما: جنس يشمل أي شيء سواء أكان عينا أم منفعة، وسواء أكان شيئا ماديا أم معنويا، له قيمة مادية بين الناس: قيد لإخراج الأعيان والمنافع التي لا قيمة لها بين الناس لتفاهتها كحبة قمح أو قطرة ماء، وكمنفعة شم تفاحة ....
وجاز الانتفاع به شرعا: قيد لإخراج الأعيان والمنافع التي لها قيمة بين الناس، ولكن الشريعة أهدرت قيمتها، ومنعت الانتفاع بها، كالخمر والخنزير ولحم الميتة، ومنفعة آلات اللهو المحرمة.
في حال السعة والاختيار: قيد جيء به لبيان أن المراد بالانتفاع الانتفاع المشروع في حال السعة والاختيار، دون حال الضرورة فجواز الانتفاع بلحم الميتة، أو الخمر أو غيرها من الأعيان المحرمة، لا يجعلها مالا في نظر الشريعة، فيقتصر الأمر على جواز الانتفاع، فلا تصبح هذه الأعيان أموالا، لأن الضرورة تقدر بقدرها.
والواقع أن مسلك الجمهور أولى بالأخذ والاعتبار .... ذلك أن عدم اعتبار المنافع أموالا محل نقد شديد، وهو ما بيناه تفصيلا في كتاب الملكية ... كما أن هذا المسلك في بنائه مالية الشيء على كونه منتفعا به انتفاعا مشروعا، وله قيمة بين الناس يسمح بتوسيع دائرة الأموال في هذا العنصر لتشمل أشياء لم تكن معروفة فيما سبق ما دام قد تحقق فيها أساس المالية، وذلك مثل الأشياء المعنوية فيما يعرف بالحقوق الذهنية وحقوق الابتكار، ويمكن أن يقال مثل هذا الكلام في الدم البشري الذي يؤخذ من الإنسان ليحتفظ به – في بنوك الدم – من أجل الانتفاع به انتفاعا مشروعا في العمليات الجراحية، ويكون له قيمة بين الناس. وكذلك الجراثيم التي يتم تصنيعها في معامل الأدوية إلى أمصال لمقاومة الأمراض ... وغيرها.
(١) انظر: في تعاريف مختارة للجمهور، والملكية في الشريعة الإسلامية، د. عبد السلام العبادي ص ١٧٦ وما بعدها