للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٣- قد يشتري شخص سلعة، ثم يتفق مع البائع على أن يردها ومعها شيء من المال. هذه هي الصورة التي قاس عليها الإمام أحمد صورة بيع العربون الممنوع عند الجمهور. قال ابن المسيب وابن سيرين: لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئًا (١) . ولا خلاف بين الفقهاء في جواز هذه الصورة، إذا كان البيع الأول نقدًا، أما إذا كان إلى أجل فقد منعه مالك في بعض الحالات، وهي ما إذا كانت الزيادة نقدًا، أو إلى أجل أبعد من الأجل الأول، لأن هذا فيه ذريعة إلى بيع الذهب بالذهب إلى أجل، وإلى بيع ذهب وعرض بذهب، لأن المشتري يدفع الزيادة والسلعة في الثمن الذي عليه، هذا إذا كان الثمن ذهبًا. وفيه أيضا بيع وسلف، لأن المشتري إذا كان قد اشترى السلعة بمئة مثلاً إلى أجل، ثم اتفق على أن يرد للبائع السلعة ومعها عشرة، فإن المسألة تؤول إلى أن المشتري باع السلعة بتسعين وأسلف البائع عشرة إلى الأجل الذي اتفقا عليه في البيع الأول، وعندئذ يقبضها من نفسه لنفسه وأجاز الشافعي هذه الإقالة مطلقا، لأنها عنده شراء مستأنف، لا فرق بينها وبين ما إذا كان لرجل على آخر مائة مؤجلة فاشترى منه سلعة بتسعين، وعجل له العشرة، وهذا جائز بإجماع، ولم يذهب الشافعي إلى ما ذهب إليه مالك من سد الذريعة، لأنه يرى أن حمل الناس على التهم لا يجوز (٢) . ورأي الشافعي أولى بالاتباع في هذه المسألة، فإن المالكية بالغوا في سد الذريعة هنا مبالغة غير مقبولة. وقياس بيع العربون على هذه الصورة غير مقبول، لأن هذه الصورة هي إقالة للبيع، وهي شراء مستأنف، ولا مانع من أن يشتري شخص سلعة بمئة نقدًا، ثم يبيعها لمن اشتراها منه بتسعين نقدًا.

٤- قد يشتري الرجل سلعة إلى أجل، ثم يتقايل المتعاقدان على أن يدفع البائع للمشتري شيئًا من المال. قال مالك في الرجل يبتاع العبد أو الوليدة بمئة دينار إلى أجل، ثم يندم البائع، فيسأل المبتاع أن يقيله بعشرة يدفعها إليه نقدًا، أو إلى أجل، ويمحو عنه المئة دينار، قال مالك: لا بأس بذلك. وهذه المسألة لا خلاف في جوازها، لأن هذه إقالة، "والإقالة إذا دخلتها الزيادة أو النقصان تكون بيعًا مستأنفًا، ولا حرج في أن يبيع الإنسان الشيء بثمن، ثم يشتريه بأكثر منه" (٣) .


(١) المغني مع الشرح الكبير ٤/ ٢٨٩.
(٢) بداية المجتهد ٢ /١٤١.
(٣) بداية المجتهد ٢ /١٤١، والمنتقى ٤/ ١٦٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>