كما أدى تفتيت العالم الإسلامي إلى انقسامه إلى دول متخمة الثراء إلى حد البطر، وأخرى معدمة إلى حد الفاقة، وبسبب انتشار الفقر أهملت عمليات التنمية البشرية والمادية, فقد أهمل التعليم، وبإهماله تفشت الأمية، وأهملت الرعاية الصحية، وبذلك تفشت الأمراض وساءت الأحوال الصحية، كما أهملت التنمية الزراعية والصناعية والاجتماعية، وبإهمالها تقلص الاقتصاد، وزادت الديون وغرقت الأمة في الربا، ولم يعد هناك مجال للأخذ بأسباب التقدم العلمي أو التقني, ويرجع السبب الرئيسي في فقر الدول الإسلامية إلى هذا التفتيت الذي لم يجعل لأي منها القدرة على القيام بذاتها، فغالبية الدول المعاصرة لا تمثل كيانات حقيقية نمت من خلال التفاعلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على المدى التاريخي الطويل كما تنمو الدول عادة, ولكن في غالبيتها كيانات رسمت حدودها الراهنة الاستعمارية العالمية، وحافظت عليها لتبقى الأمة على هذه الصورة من التفتيت الذي لا يمكن أيًّا منها من تشكيل وحدة اجتماعية اقتصادية متكاملة أو شبه متكاملة.
وبهدف الحيلولة دون قيام أدنى قدر من التعاون بين الأشقاء، ودون تحرك المال الإسلامي بين الدول الإسلامية على شكل استثمارات تعين على تنشيط عمليه التنمية، قامت الدول الكبرى بترتيب سلسلة من الانقلابات العسكرية، والانقلابات المضادة لتحدث جوًّا من عدم الاستقرار السياسي والفوضى الاقتصادية، التي لا تشجع على تحرك أية أموال بينها، حتى لاتجد فوائض الدول الغنية فيها طريقها إلا إلى خزائن وبنوك الدول الكبرى.
وقد أدى إفقار الدول الإسلامية إلى تفشى الأمية بين البالغين من أبنائها بصورة مزعجة، تتراوح نسبتها بين ٥٠ % ـ ٨٠ % بمتوسط حوالي ٥٨ % بينما تقل نسبة الأمية في الدول الغنية عن ٢ %، ولا تتعدى هذه النسبة ٤٥ % في المتوسط في دول العالم الثالث ما يعنى بوضوح أن أعلى نسبة للأمية بين البالغين في العالم اليوم هي الدول الإسلامية.
(١) .
فالتخلف الاقتصادي الذي أحاط بالعالم الإسلامي لا يحتاج إلى جهد في بيان أسبابه الحقيقية في حياة الأمة.
نعم، لقد كانت هناك أسباب خارجية قوية أسهمت في هذا التخلف ولكنها وحدها لاتبرره وتفسره.
(١) انظر: قضية التخلف العلمي والتقني في العالم الإسلامي المعاصر، د. زغلول راغب النجار، كتاب الأمة، الطبعة الأولى صفر ١٤٠٩هـ: ص٢٦