للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التوازن بين الرحمة والمصلحة:

الإسلام دين التوازن الحكيم (١) في مختلف المجالات، ولكننا نستطيع القول ـ كما أسلفنا ـ بأن التوازن بين (الواقع) و (المثال) هو من أشملها جميعًا.

و (الواقع) في موضوعنا يتمثل في توفير كل المظاهر الإنسانية، والحقوق البشرية، من (الكرامة، والحرية، والحياة المستقلة) لا بل يتجاوز ذلك إلى مجالات الإيثار واللطف العميم. إلا أن (المثال) ـ هنا ـ يتطلب تحقيق المصلحة الإسلامية العليا، لكي نضمن للمنطلق الإسلامي وجوده القوي المتكامل الفاعل، على طريق تغيير الحياة الإنسانية كلها إلى حياة عابدة، مخلصة، تعبد ربها لا تشرك به شيئًا، آمنة مطمئنة، ويعني ذلك أن تقتلع كل الأشواك، وتحذف كل العقبات، وتصادر كل الموانع التي تقف عثرة أمام تحقق هذا الهدف الكبير.

وأين يتم التعارض بين هذا الواقع، الذي نعبر عنه فيما يلي بـ (الرحمة) ، وهذا المثال الذي نعبر عنه بـ (المصلحة) ؟

إنه يتم عندما يدفع الجهل، والتعصب، والطاغوت؛ أناسًا لمحاربة النبتة الإسلامية، والمسيرة الصاعدة، للقضاء عليها، ومصادرة الأمل الكبير، ربما دون وعي لما يفعلون، ويحدق الخطر بالوجود، وبالتالي يحدق الخطر بالمثال كله، أمام واقع مرير، جاهل طاغ، فماذا العمل؟

هنا ندعي أن الإسلام ـ رغم اهتمامه الكبير بـ (المصلحة) ـ لم ينس مطلقًا الواقع الإنساني، والحقوق البشرية (الرحمة) ، وإنما حاول ـ بكل ما في وسعه ـ أن يحقق التوازن بينهما، وإن كان الأهم هو المقدم بلا ريب، وهذا هو حكم منطق الوجدان.

والآن:

لنعد إلى أحكام الحرب والأسرى لنجد تطبيق هذا التوازن: التطبيق الذي لم تشهد البشرية له من سابقة، وحتى إنها لم تستطع أن تصل إليه في عصورنا الحاضرة التي تدعي التمدن.


(١) راجع الكتاب (التوازن في الإسلام) للمؤلف، لملاحظة معنى التوازن، وضرورة قيد الحكمة فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>