لَا يَمْلِكُ، وَلَا تَكُونُ رُؤْيَتُهُ رُؤْيَةَ الْمُرْسَلِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُرْسَلِ إذَا لَمْ يَرَهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَكِيلَ مُتَصَرِّفٌ بِحُكْمِ الْأَمْرِ، وَالْمُتَصَرِّفُ بِحُكْمِ الْأَمْرِ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَوْرِدِ الْأَمْرِ، وَهُوَ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ لَا بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ إسْقَاطَ خِيَارِ الْعَيْبِ وَلَا خِيَارِ الشَّرْطِ، وَكَذَا الرَّسُولُ لَا يَمْلِكُ فَكَذَا الْوَكِيلُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ لَكِنْ بِقَبْضٍ تَامٍّ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالشَّيْءِ وَكِيلٌ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلِهَذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِالْخُصُومَةِ وَكِيلًا بِالْقَبْضِ، وَتَمَامُ الْقَبْضِ بِإِسْقَاطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ بَعْدَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُوضٍ، وَقَدْ خَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمَا أَنَّهُ وَكِيلٌ بِالْقَبْضِ لَا بِإِبْطَالِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ عِنْدَهُ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْخِيَارِ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ الْوَكِيلُ؟ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ فِي ضِمْنِ الْقَبْضِ بِأَنَّ قَبْضَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَبَضَهُ مَسْتُورًا ثُمَّ أَرَادَ بُطْلَانَ الْخِيَارِ لَا يَمْلِكُهُ، وَالشَّيْءُ قَدْ يَثْبُتُ ضِمْنًا لِغَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ مَقْصُودًا كَعَزْلِ الْوَكِيلِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ الْقَبْضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّفْرِيقَ بَعْدَ الْقَبْضِ؟ ، وَكَذَا الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبْضِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَكُنْ رَفْعًا لِلْعَقْدِ مِنْ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ الرَّدِّ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبِخِلَافِ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لِلِاخْتِبَارِ، وَالْقَبْضُ وَسِيلَةٌ إلَى الِاخْتِبَارِ فَلَمْ يَصْلُحْ الْقَبْضُ دَلِيلَ الرِّضَا، وَخِيَارُ الرُّؤْيَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِخَلَلٍ فِي الرِّضَا، وَالْقَبْضُ مَعَ الرُّؤْيَةِ دَلِيلُ الرِّضَا عَلَى الْكَمَالِ، فَأَوْجَبَ بُطْلَانَ الْخِيَارِ، وَبِخِلَافِ الرَّسُولِ بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ فِي الْقَبْضِ عَنْ الْمُرْسَلِ، فَكَانَ قَبْضُهُ قَبْضَ الْمُرْسَلِ، فَكَانَ إتْمَامُ الْقَبْضِ إلَى الْمُرْسَلِ.
(وَأَمَّا) الْوَكِيلُ فَأَصْلٌ فِي نَفْسِ الْقَبْضِ، وَإِنَّمَا الْوَاقِعُ لِلْمُوَكِّلِ حُكْمُ فِعْلِهِ، فَكَانَ الْإِتْمَامُ إلَى الْوَكِيلِ، وَكَذَا إذَا تَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ بِأَنْ كَانَ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ أَوْ صَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ أَرْضًا فَبَنَى عَلَيْهَا أَوْ غَرَسَ أَوْ زَرَعَ أَوْ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا عَنْ شَهْوَةٍ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ دَلَالَةُ الْإِجَازَةِ وَالرِّضَا بِلُزُومِ الْبَيْعِ وَالْمِلْكِ بِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَفَسَخَ الْبَيْعَ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَأَنَّهُ حَرَامٌ فَجُعِلَ ذَلِكَ إجَازَةً مِنْهُ صِيَانَةً لَهُ عَنْ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَكَذَا إذَا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ بَاعَ أَوْ لَمْ يَبِعْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَرَضَهُ عَلَى الْبَيْعِ فَقَدْ قَصَدَ إثْبَاتَ الْمِلْكِ اللَّازِمِ لِلْمُشْتَرِي وَمِنْ ضَرُورَتِهِ لُزُومُ الْمِلْكِ لَهُ لِيُمْكِنَهُ إثْبَاتُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ عَرَضَ بَعْضَهُ عَلَى الْبَيْعِ سَقَطَ خِيَارُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَسْقُطُ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْخِيَارِ وَلُزُومَ الْبَيْعِ بِالْعَرْضِ لِكَوْنِ الْعَرْضِ دَلَالَةَ الْإِجَازَةِ وَالرِّضَا، وَدَلَالَةَ الْإِجَازَةِ دُونَ صَرِيحِ الْإِجَازَةِ.
ثُمَّ لَوْ صَرَّحَ بِالْإِجَازَةِ فِي الْبَعْضِ لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ فَلَأَنْ لَا يَسْقُطَ بِدَلَالَةِ الْإِجَازَةِ أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ وَهَبَهُ سَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْهِبَةِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بِقَرِينَةِ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا فَكَانَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهَا دَلَالَةَ قَصْدِ إثْبَاتِ الْمِلْكِ اللَّازِمِ فَيَقْتَضِي لُزُومَ الْمِلْكِ لِلْوَاهِبِ، وَكَذَا إذَا رَهَنَهُ وَسَلَّمَ أَوْ آجَرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ لَازِمٌ فِي نَفْسِهِ، وَالثَّابِتُ بِهِمَا حَقٌّ لَازِمٌ لِلْغَيْرِ، وَكَذَا إذَا كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ فِي جَانِبِ الْمُكَاتِبِ، وَالثَّابِتُ بِهَا حَقٌّ لَازِمٌ فِي حَقِّهِ، وَكَذَا إذَا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَ، وَكَذَا إذَا أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ اسْتَوْلَدَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تَصَرُّفَاتٌ لَازِمَةٌ، وَالثَّابِتُ بِهَا مِلْكٌ لَازِمٌ أَوْ حَقٌّ لَازِمٌ، فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا يَكُونُ إجَازَةً وَالْتِزَامًا لِلْعَقْدِ دَلَالَةً.
وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ يَسْقُطُ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ الْعَرْضِ عَلَى الْبَيْعِ بَلْ فَوْقَهُ ثُمَّ الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ يُسْقِطُ الْخِيَارَ، فَهَذَا أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ بَعْضَهُ عَنْ مِلْكِهِ يَسْقُطُ خِيَارُهُ عَنْ الْبَاقِي، وَلَزِمَ الْبَيْعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْبَاقِي تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْبَائِعِ قَبْلَ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ يَمْنَعُ تَمَامَ الصَّفْقَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ تَمَامَ الرِّضَا، وَكَذَا إذَا اُنْتُقِصَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ، وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ (وَأَمَّا) الضَّرُورِيُّ فَهُوَ كُلُّ مَا يَسْقُطُ بِهِ الْخِيَارُ، وَيُلْزِمُ الْبَيْعَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ نَحْوُ مَوْتِ الْمُشْتَرِي عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ مَرَّتْ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ، وَكَذَا إجَازَةُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِيمَا اشْتَرَيَاهُ، وَلَمْ يَرَيَاهُ دُونَ صَاحِبِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.
وَكَذَا إذَا هَلَكَ بَعْضُهُ أَوْ اُنْتُقِصَ بِأَنْ تَعَيَّبَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْلِ الْبَائِعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَوْ زَادَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً أَوْ مُتَّصِلَةً مُتَوَلِّدَةً
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.app/page/contribute