الجنوبية وبالثمودية واللحيانية والصفوية، بل قد نجد الكتابة في بعض قبائل الجاهلية مثل قبائل الصفاة، أكثر اتساعًا وانتشارًا مما عليه الحال بين قبائل هذا اليوم.
وبعد، فالأمية الجماعية التي فرضها أهل الأخبار على الجاهليين، فجعلوهم أميين مائة بالمائة، لم تكن أمية صحيحة، وإنما جاءت من وهم في فهم المراد من المواضع التي أشرت إليها من القرآن، بدليل مناقضة أهل الأخبار أنفسهم، بذكر أسماء من ذكرناهم وممن لم نذكرهم ممن كان يقرأ ويكتب بهذا القلم العربي الذي دوّن به القرآن. وبدليل ما أوردته من أقوال المفسرين في الأمية، من أنها الوثنية، لا الأمية بمعنى الجهل بالكتابة والقراءة حتمًا، لعدم انسجام هذا المعنى مع تفسير الآيات، ثم إن القرآن الكريم حين تعرض للأمية، بمعنى عدم القراءة والكتابة، قال:{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ، وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ١. فعبر بذلك تعبيرًا مبينًا عن معنى عدم القراءة والكتابة، بأفصح عبارة، فقال:{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} ، ولو كانت الأمية بهذا المعنى لما أهمل ذكرها في هذا المكان. ومن ذلك الوهم جاءت الأحاديث الضعيفة من أنه كان من أمة أمية لا تحسب ولا تكتب، ولعاطفة دينية، شددوا في أمية العرب، فجعلوها جميعًا أميين، لإظهار معجزة للرسول –هو في غنى عنها –في أنه ظهر بالنبوة في أمة أمية، وجاء من الله بأحسن بيان، وهي حجة له على أهل الكتاب والمشركين.
وبعد، فقد فهمنا من روايات أهل الأخبار، أن أهل مكة إنما تعلموا الكتابة في عهد غير بعيد عن الإسلام. فهل يعني هذا أنهم لم يكونوا يحسنون الكتابة والقراءة قبل هذا العهد أبدًا؟ والذي أراه أن ذلك شيء غير معقول، وأن أهل مكة كانوا يكتبون ويقرءون، كانوا يكتبون بالمسند، القلم الذي كتب به أكثر أهل جزيرة العرب قبل الإسلام، بدليل ما نقرأه في كتب أهل الأخبار من زعمهم أن أهل مكة كانوا يجدون بين الحين والحين كتابات مدونة بالمسند في مقبرة