للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد استشكل بعضُهم هذا الحكم الشرعيَّ الصَّحيحَ الصَّريحَ الذي لا يَرِدُ عليه إشكالٌ، بدعوى أنَّ فيه إسقاطًا لما توجبه الأخوةُ الإسلاميَّة على المسلمين المقيمين في بلاد الغرب من النُّصرة والدَّعم والتَّأييد لإخوانهم المظلومين في فلسطين وغيرها من البلاد.

وهذه الدَّعوى باطلةٌ، فليس في الآية الكريمة ولا فيما فهمه الأئمة منها: النهي عن نصرة أولئك المؤمنين بإطلاقٍ، وإنَّما عن نصرتهم بالقتال عند قيام مانعٍ وهو العهد والميثاق، «فإذا نبذوا إليهم فحذَّروهم، وانقطع الأمان بينهم؛ كان لهم قتالهم .. ». هذا نصُّ كلام الشافعيِّ.

ثم قد تكون النُّصرة من غير نبذ للعهد، ولا إنهاءٍ للأمان، وذلك بوجوه كثيرةٍ غير منافيةٍ لعقد الأمان، كما هو واقع المسلمين في الدُّول الغربية، حيث تسمح لهم قوانين تلك الدول بكثيرٍ من الأعمال والنشاطات السياسية والاجتماعية التي فيها نصرة كبيرة لإخوانهم، كجمع التبرعات، والمشاركة في وسائل الإعلام المختلفة، وفي أعمال المؤسسات الإغاثية، وغير ذلك من وجوه النصرة والتأييد.

وإنما المحظور أن يتوهَّم المسلم أنَّه في حلٍّ من عقد الأمان ـ الذي التَزَمَهُ، ودخل فيه بمَحْضِ اختياره ـ فيحمله ذلك على أعمالٍ مسيئةٍ، منافيةٍ لواجب الوفاء بالوعد، والالتزام بالعهد؛ كالتَّفجيرِ والقَتْلِ والإفسادِ في الأرض.

وقد أخذ بهذا الفقه السَّديد أشهرُ علماء العصر: العلامةُ الراحل عبدُ العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله (١) فقال ـ في رسالةٍ له لأحد العلماء،


(١) عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت: ١٤٢٠/ ١٩٩٩): إمام أهل السنة في هذا العصر، عمل في القضاء والتدريس، وتقلَّد وظائف دينيَّة مهمة في المملكة العربية السعودية، أرفعها منصب المفتي العام ورئيس هيئة كبار العلماء حتَّى وفاته، عُرف بسعة العلم، والشجاعة في الحقِّ، وعلوِّ الهمَّة، وكرم الأخلاق، له فتاوى ورسائل وبحوث جمع كثيرٌ منها في «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» في ثلاثين مجلدًا.

<<  <   >  >>