للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وذكر العلامة محمود شكري الألوسي حقيقة واقع أهل القبور، وما وقعوا فيه من التلبيس والتدليس بتغييرهم للأسماء، وبين رحمه الله أن هذا التغيير لا يغير من الحقيقة شيئًا، وأن العبرة بحقائق أفعالهم وأعمالهم؛ فقال ما ملخصه: "ونذكر لك طرفًا من معتقد هؤلاء وحقيقة ما هم عليه من الدين؛ ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن؛ إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعًا وتوسلًا واستظهارًا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق.

من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبًا للغوث واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة وإبداء الفقر والضراعة واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البراري والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية وجماهيرهم -لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم - لا يكاد يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس ذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضًا عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى، وكل هذا رأيناه وسمعناه عنهم، فهل سمعت عن جاهلية العرب، مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب.

والكلام مع ذكي القلب، يقظ الذهن، قوي الهمة، العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحقيقة التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة،