للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دمشق، فبعْنَا متاعنا وأقمنا شهرين ثم ارتحلنا حتى نزلنا قرية من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدَوْا له وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاءنا مع نصف النهار فلبس ثوبيه الأسودين وذهب حتى جاءنا بعد هَدْأة من الليل فطرح ثوبيه ثم رمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح مبثوثًا (١) حزينًا لا يكلِّمنا ولا نكلِّمه، فرحلنا فسِرْنَا لياليَ، ثم قال: يا صخر حدِّثني عن عتبةَ بنِ ربيعةَ: أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: إي والله. قال: أَوَ يصل الرَّحِمَ ويأمر بِصِلَتِهَا؟ قلت: نعم. قال: فكريمُ الطَّرَفيْن وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم، قال: فهل تعلم قرشيًّا أشرفَ منه؟ قلت: لا والله. قال: أَمُحْوِجٌ هو؟ قلت: لا، بل هو ذو مال كثير. قال: كم أتى له من السنين؟ قلت: هو ابن سبعين أو قد قاربها. قال: فالسنُّ والشَّرَف أزْرَيًا به، قلت: والله بل زاده خيرًا. قال: هو ذاك، ثم إنَّ الذي رأيتَ بي أَنّي جئت هذا العَالِمَ فسألته عن هذا الذي يُنْتَظَرُ، فقال: رجل من العرب من أهل بيتٍ تحجُّه العرب. فقلت: فينا بيت تحجه العرب. قال: هو من إخوانكم وجيرانكم من قريش، فأصابني شيءٌ ما أصابني مثله إذْ خرج من يدي فَوْزُ الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو. فقلتُ: فصِفْهُ لي؟ فقال: رجل شاب حين (٢) دخل في الكهولة، بَدْءُ أمره أنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرَّحِم ويأمر بصلتها، وهو كريم الطرفين (٣)، متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة. قلت: وما آية ذلك؟ قال: رجفت الشام منذ هلك عيسى بنُ مريم عدَّة رجفات كلُّها فيها مصيبة، وبَقِيَتْ رجفةٌ عامة فيها مصيبة،


(١) في "غ": "مثبوتًا".
(٢) في "غ": "حتى"، وفي "د": "حيي".
(٣) ساقطة من "د". والطرفان هما الأب والأم.

<<  <  ج: ص:  >  >>