للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

(رَمْيَةً بِحَجَرٍ) أي: دنوًا لو رمى رام حجرًا من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره - عليه السلام - لوصل إلى بيت المقدس؛ وإنما سأل ذلك لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة؛ ولأن الناس يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها، إنما لم يسأل نفس البيت المقدس وسأل الدنو منها لخوف أن يكون قبره مشهورًا فيفتنن به الناس، كما أخبر الشارع - صلى الله عليه وسلم -: إن اليهود والنصارى "اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١).

وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله تعالى (٢).

[٢١٢ أ/س]

وكان موسى - عليه السلام - إذ ذاك في التيه ومعه بنو إسرائيل، وقد أمرهم الله بدخول إلى بيت المقدس، وقتل الجبابرة فامتنع قومه وقالوا {لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)} [المائدة: ٢٤] فحرم الله عليهم دخولها أبدًا غير الرجلين اللذين قالا: {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} [المائدة: ٢٣]. وهما: كالب ويوشع، وتيههم الله في القفار أربعين سنة في ستة فراسخ، وهم ستمائة ألف مقاتل، فكانوا يسيرون كل يوم جادِّين، حتى إذا سموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس ويطلع لهم عمود من نور / يضيء لهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر يطول بطوله. وكان ذلك حالهم إلى أن أفناهم الموت، ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع - عليه السلام - ولم يدخلها أحد ممن امتنع أن يدخلها أولًا، ومات هارون - عليه السلام - في التيه، ومات موسى - عليه السلام - بعده بسنة قبل فتح الأرض المقدسة، ودخل يوشع بعد موته بثلاثة أشهر على الصحيح، ولم يبق من النقباء إلا كالب ويوشع (٣).

ولما لم يتهيأ لموسى - عليه السلام - دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه.


(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - (٢/ ١٠٢) (١٣٩٠).
(٢) تأريخ مدينة دمشق (٦١/ ١٨١)، من طريق أبي حذيفة إسحاق بن القرشي عن سعيد عن قتادة عن الحسن [وليس عن ابن عباس] قال: "لو علمت بنو إسرائيل قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله". وعمدة القاري (٨/ ١٤٩).
(٣) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (١/ ٦٢٣).