للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم - عليه السلام - فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلًا؛ لأنهم لا يطعمون.

وقد جاء الملك إلى- مريم عليها السلام- فلم تعرفه، ولو عرفته لما استعاذت منه.

وقد دخل الملكان على داود - عليه السلام - في شبه آدميين يختصمان عنده فلم يعرفهما وقد جاء جبريل - عليه السلام - إلى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله عن الإيمان فلم يعرفه، وقال: "ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه المرة" (١).

[٢١١ أ/س]

فلا يستنكر أن لا يعرف موسى - عليه السلام - الملك حين دخل عليه، فلا يرد إنكار بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث، وبطل قولهم: لا يخلو أن يكون موسى - عليه السلام - عرف ملك الموت، أو لم يعرفه، فإن / عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها.

وأما قول الجهمية: إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين، والله تعالى لا يظلم أحدًا.

فهذا دليل على جهلهم، من أخبرهم أن بين الملائكة والآدميين قصاصًا؟ أو من أخبرهم أن الملك طلب القصاص فلم يقتص له، ثم الظاهر أن ذلك من موسى - عليه السلام - كان عمدًا (٢) فقد أخبرنا نبينا - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله تعالى لم يقبض نبيًا قط حتى يريه مقعده في الجنة ويخبره" (٣) فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخيره فلما جاءه الملك وأراد قبض روحه؛ كما يدل عليه رواية مسلم: "جاء ملك الموت إلى موسى - عليه السلام -. فقال له: أجب ربك. لطم موسى عين ملك الموت ففقأها" (٤).

[٩٢ ب/ص]

يعني لكون ذلك قبل أن يريه مقعده / ويخيره عز وجل، فقول من قال: إنه كان خطأ فهو خطأ، والحاصل أنه أكرم الله تعالى موسى - عليه السلام - في حياته بأمور أفرده بها فلما دنت وفاة لطف به أيضًا بأن لم يأمر الملك بأخذ روحه قهرًا لكن أرسله على سبيل الامتحان في صورة البشر فاستنكر


(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (٨/ ٢٠٢)
(٢) شرح صحيح البخارى لابن بطال (٣/ ٣٢٣).
(٣) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها (٤/ ١٨٩٤) (٢٤٤٤).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى - صلى الله عليه وسلم - (٤/ ١٨٤٣) (٢٣٧٢).