وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، ولو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه ولسانه بشكره.
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر و {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
والله جل جلاله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، قدر جميع ما يجري في الكون من الأرزاق والآجال، والأقوال والأعمال، والمصائب، والأحوال كما قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٢،٢٣].
فالله سبحانه قدر ما يصيب العباد من المصائب قبل أن يخلق ويبرأ الأنفس والمصائب والأرض.
وأخبر أن مصدر ذلك قدرته عليه، وأنه يسير عليه، وحكمته البالغة التي منها ألا يحزن عباده على ما فاتهم إذا علموا أن المصيبة فيه بقدره وكتابته، وقد كتبت قبل خلقهم.
فإذا علموا ذلك هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل لعلمهم أن المصيبة مقدرة في كل ما يقع على الأرض، فكيف يفرح بشيء قد قدرت المصيبة فيه قبل خلقه؟.
ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب أو خوف فواته .. أو حصول مكروه أو خوف حصوله، نبه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فوته حيث لم يحصل، ونبه بعدم الفرح به إذا وجد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع.
وهذه هي أنواع المصائب، فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وإنَّ ما أخطأه منها لم يكن ليصيبه هانت عليه، وخف حملها،