ويأكله. وصارت طائفة من الناس يجلسون على السقائف وبأيديهم حبال فيها كلاليب، فإذا مر بهم أحد من الناس ألقوا عليه تلك الحبال ونشلوه بتلك الكلاليب في أسرع وقت، فإذا صار عندهم ذبحوه في الحال وأكلوه بعظامه. وقيل إن الوزير ركب يوما على بغلة ودخل إلى دار الخلافة فلما نزل عنها أخذت من غلمانه وأكلت في الحال، فأمسكوا الذين فعلوا ذلك وشنقوهم وعلقوهم على الخشب، فلما باتوا أصبحوا لم يجدوا أحدا من المشانيق، وقد أكلوا من فوق الخشب، ولم يبق منهم غير العظام على الأرض.
قال المسبحي في تاريخه:"كان بمدينة الفسطاط حارة تسمى حارة الطبق، وكان فيها نحو عشرين دارا، كل دار تساوي في الثمن ألف دينار، فبيعت بيوت هذه الحارة كلها بطبق من الخبز - كل دار برغيف - فسميت من يومئذ حارة الطبق".
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي:"خرجت امرأة من مدينة الفسطاط ومعها ربع من اللؤلؤ الكبار وقالت:" من يأخذ مني هذا اللؤلؤ ويعطيني عوضه قمحا؟ ". فلما أعيت من ذلك ألقته على الأرض وقالت:" إذا لم تنفعني وقت الحاجة فلا حاجة لي بك ". ثم تركته ومضت، فأقام ذلك اللؤلؤ مرميا على الأرض ثلاثة أيام ولم يوجد من يلتقطه، وكان كل أحد من الناس مشغولا بنفسه عن كل شيء".
وقال عبد الله بن عبد الحكم:"إن امرأة من ذوي البيوت أخذت عقدا من الجواهر قيمته ألف دينار فعرضته على جماعة من الناس في أن يعطوها عوضه دقيقا، فصار كل واحد من الناس يعتذر لها في عدم الدقيق. ثم أن بعض الناس عطف عليها وباعها بذلك العقد دقيقا، فأخذته في تليس وخرجت به من مدينة الفسطاط تريد القاهرة، فلما أن وصلت به إلى باب زويلة تكاثرت عليها الناس فانتهبوا ما كان معها من الدقيق فأخذت منه بجملة الناس ملء يديها دقيقا، فلما وصلت به إلى بيتها عجنته رغيفا وخبزته، فلما خرج من الفرن أخذته على جريدة، وتوجهت إلى قصر الزمرد ووقفت تحته، ونادت بأعلى صوتها، ورفعت الرغيف وقالت:" يا أهل القاهرة، ادعوا بالنصر لأمير المؤمنين المستنصر بالله الذي أكلنا الرغيف في أيامه بألف دينار ". .. فلما أن سمع المستنصر ذلك فار دمه، وأحضر الوزير والحاجب وهددهما بالشنق، وقال:" إن لم يظهر الخبز في الأسواق والا شنقتكما على باب المدينة ". فنزلا من عنده وصارا يكبسان على البيوت والحارات بسبب القمح حتى ظهر الخبز في الأسواق، وكثر على الدكاكين".
قال المسبحي: "لما جاء هذا الغلاء العظيم، جاء عقيب ذلك فناء عظيم، حتى في ثلثا أهل مصر، وصارت أراضي الناحية بائرة لم تزرع من عدم الرجال، فكان الجندي يخرج