للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بنفسه هو وجماعته يحرثون ويزرعون في البلاد لعدم الفلاحين. وقيل كان الرجل يمشي من جامع ابن طولون إلى باب زويلة لا يرى في وجهه انسانا يمشي في الأسواق".

قال المسعودي: إن الخليفة المستنصر بالله لما تعطلت البلاد بموت الفلاحين تعطل الخراج على الجند، فأخرج ما في خزائنه من القماش والسلاح والتحف، فكان يبيعها بأرخص ثمن حتى يرضي الجند. قيل باع ثمانين ألف قطعة من الجواهر الفاخرة، وباع خمسة وسبعين ألف شقة حرير من أنواع الديباج المذهب، وباع عشرين ألف سيف مسقطة بالذهب، وباع واحدا وعشرين ألف ضيعة وعشرين ألف دار حتى باع رخام قبور أجداده الخلفاء ولم يبق عنده من آثار النعمة شيء سوى سجادة رومية وقبقاب في رجله … فكان إذا نزل من قصره يستعير من الوزير بغلته حتى يركبها ويقضي أشغاله، ثم يعيدها إلى الوزير، وكانت أخته ترسل إليه في كل يوم زبدية فيها طعام يقتات به في كل يوم وليلة مرة واحدة، ومات جميع غلمانه وعبيده وجواريه ولم يبق عنده أحد من العيال يخدمه، وانكشف حاله إلى الغاية، وجرى عليه ما لا يجري على أحد من أقاربه من سوء الحال، فأقام على ذلك مدة، ثم تراجعت الأحوال قليلا قليلا، وانصلحت أحوال الديار المصرية، وانحط سعر القمح وبقية الغلال، ووقع الرخاء، ووردت الأموال من البلاد إلى المستنصر، وحسنت أوقاته، وصفا له الوقت بمصر، وطالت أيامه في الخلافة، ونسى ما قد جرى عليه من ضيق الحال والمشقات، وكان كما قال القائل في المعنى:

الدهر لا يبقي على حالة … لا بد أن يقبل أو يدبرا

فان تلقاك بمكروهه … فاصبر فان الدهر لن يصبرا

واستمر الخليفة المستنصر في الخلافة بمصر حتى توفي، وكانت وفاته في يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، ومات وله من العمر نحو ثمان وستين سنة. وتولى الخلافة وهو ابن سبع سنين، وكانت مدته في الخلافة ستين سنة وأربعة شهور، وهذه المدة لم تنفق لأحد قبله من الخلفاء الفاطميين ولا العباسيين، ولكنه قاسى في هذه المدة مشقات عظيمة شديدة كما قيل في المعنى والأمثال" من أراد البقاء في الدنيا فليوطن نفسه على المصائب".

ولما مات المستنصر تولى من بعده ابنه احمد المستعلي بالله.

<<  <  ج: ص:  >  >>