ومن النكت المضحكة ما قيل … كان في زمن الحاكم قاض بمصر يقال له النطاح.
وسبب ذلك أنه كان له طرطور وفيه قرنان من قرون البقر، فيضعه إلى جانبه، فإذا جاءه خصمان يتحاكمان عنده وجار أحدهما على الآخر يلبس القاضي ذلك الطرطور الذي فيه القرنان ويتباعد وينطح الخصم الذي يجور على صاحبه، فاشتهر أمره بين الناس بهذه الواقعة. فبلغ أمره إلى الحاكم فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه قال له:"ما هذا الأمر الذي قد اخترعته حتى قبحت سيرتك بين الناس؟ " فقال: "يا أمير المؤمنين، أشتهي أن تحضر مجلسي يوما وأنت من خلف ستارة لتنظر ماذا أقاسي من العوام، فإن كنت معذورا فيهم وإلا عاقبني بما تختار". فقال له الحاكم:"أنا غدا أحضر مجلسك حتى أرى ما تقول".
فلما أصبح الحاكم أتى إلى مجلس ذلك القاضي وقعد من خلف ستارة، فأتى إلى القاضي خصمان، فادعى أحدهما على الآخر بمائة دينار فاعترف المدعي عليه بها، فأمره القاضي بدفع ذلك إلى صاحبه فقال المدعي عليه:"إني معسر في هذا الوقت، فقسطوا على ذلك على قدر حالي". فقال القاضي للمدعى:"ما تقول؟ ". فقال:"أقسطها عليه في كل شهر عشرة دنانير". فقال المديون:"لا أقدر على ذلك". فقال القاضي:"تكون خمسة دنانير".
فقال المديون:"لا أقدر على ذلك". فقال القاضي:"تكون دينارين". فقال المديون:"لا أقدر على ذلك". فقال القاضي:"تكون دينارا". فقال المديون:"لا أقدر على ذلك". فلا زال القاضي يدرجه حتى قال له:"تكون عشرة دراهم في كل شهر". وهو يقول "لا أقدر على ذلك". فقال له القاضي:"وما القدر الذي تقدر عليه في كل شهر. فلعل أن يرضي به خصمك". فقال المديون:"أنا لا أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم في كل سنة، بشرط أن يكون خصمي في السجن لئلا يحصل معي هذا القدر ولا أجد خصمي فيذهب مني".
فلما سمع ذلك الحاكم لم يملك عقله وخرج من خلف الستارة وقال للقاضي:"انطح هذا النجس الشيطان وإلا فأنا أنطحه … ". وكان الحاكم أحمق من القاضي.
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي في تاريخ الإسلام:"لا زال الحاكم بأمر الله يتزايد في الظلم والجور، واستخف بأهل مصر حتى أنه ادعى الربوبية من دون الله كما فعل فرعون، فكان إذا مر في الطرقات والأسواق يقول له جماعة من العوام:" يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت! ". وكانت جماعة من جهال العوام يسجدون له كلما رأوه، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه.
ثم أنه ادعى في وقت أنه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه:" يا فلان، أنت فعلت في بيتك البارحة ما هو كيت وكيت. وأنت يا فلان قلت البارحة ما هو كيت وكيت ". .. وكان ذلك باتفاق يعتمده مع العجائز اللاتي يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء