للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وكان الأمير أحمد يرسل في كل سنة إلى فقراء بغداد مائة ألف دينار برسم الصدقات، ويرسل إليهم في كل سنة بكسوة الشتاء والصيف دائما في مدة ولايته على مصر.

قال الشيخ أبو الحسن بن حماد، وكان من كبار العلماء: "كنت راقدا في بعض الليالي في منزلي، وإذا بالباب يدق في نصف الليل، فنظرت من الطاق، وإذا برجال ومعهم مشاعل، فوقفوا على باب منزلي، فقلت: ما تريدون؟ قالوا: أبا الحسن ابن حماد؟ فقلت: ها هو أنا. فقالوا: امض فان الأمير أحمد قد طلبك في هذه الساعة. فارتعدت أعضائي، فخرجت معهم وركبت بغلتي وأنا آيس من الحياة. فلما وصلت إلى دار الأمير أحمد دخلت وسلمت على حاجب الباب فقال لي: أدخل وخذ في مشيك عن يمينك، واحترز أن تقع في البحرة. وكانت ليلة مظلمة من ليالي الشتاء. فمشيت حتى بلغت ضوء الشمع، فوقفت هناك ساعة وإذا بالأمير أحمد في قبة لطيفة وهو نائم على ظهره وبين يديه شمعتان، فوقفت طويلا، فلما علم بي قال: أبو الحسن؟ فقلت: نعم. فقال: أدخل. فدخلت ووقفت بين يديه فقال لي: أجلس فجلست، فقال لي: لأي شيء تصلح هذه القبة؟ وكانت قبة لطيفة يجلس فيها نحو أربع أنفس، فقلت: تصلح للذكر وقراءة القرآن ومطالعة العلم ومنادمة المحبين.

فتبسم ثم قال: ما تقول في هذه المسألة؟ فقلت: يقول الأمير أيده الله ينصره. فقال: ما تقول فيمن سلط على شيء ففعله … فهل يعذب عليه؟ قال أبو الحسن: فعلمت أن المسألة ناشئة عنه، فقلت على الفور: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. فلما سمع ذلك استوى جالسا وقال: كيف قلت؟ فقلت: لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. ثم سكت طويلا وقال: انصرف إلى منزلك.

فخرجت من عنده وأنا لم أصدق بالنجاة. فلما خرجت من عنده تبعني الحاجب بكيس فيه مائة دينار، وانصرفت إلى منزلي وأنا أرعد من الخوف".

قال ابن وصيف شاه: "كان راتب مطبخ الأمير أحمد بن طولون في كل يوم ألف دينار تصرف فيما يحتاج إليه أمر الطعام والحلوى والفاكهة والسكر والشمع وغير ذلك. وكان منتهى حكمه من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب".

قال جامع السيرة الطولونية: "كان بمدينة عين شمس - وهي التي تسمى الآن المطرية - صنم من الكذان الأبيض على قدر خلقة الإنسان المعتدل، وكان محكم الصناعة يكاد أن ينطق، فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه عن ذلك بعض الكهان وقال له: أيها الأمير، لا تنظر إلى هذا الصنم فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا عزل عنها في سنته.

فلم ينته الأمير أحمد عن ذلك وركب وتوجه إلى مدينة عين شمس، ولم يزل حتى رأى ذلك الصنم، فأمر بإحضار القطاعين فكسروه قطعا ولم يبق له أثر. فلما رجع الأمير أحمد

<<  <  ج: ص:  >  >>