للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

إلى داره لم يقم بعد ذلك سوى عشرة أشهر، ثم مرض وتسلسل في المرض، فاضطربت مصر بسبب مرضه وخرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا مثل ما يفعلون في الاستسقاء، فخرج الناس حفاة وعلى رءوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلى رءوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رءوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رءوسهم الألواح، وخرج سائر العلماء والصلحاء وهم يدعون الله تعالى له بالعافية والشفاء".

فاستمر الأمير أحمد في ذلك المرض حتى مات، به، فكانت وفاته في سنة تسع وستين ومائتين، فكانت مدة ولايته بمصر نحو اثنتي عشرة سنة، وكان يقول في مرضه: "رب ارحم من جهل مقدار نفسه وقد أبطره وغره حلمك يا أرحم الراحمين".

وكان الأمير أحمد ملكا عادلا في الرعية كريما سخيا، منقادا إلى الشريعة، يحب العلماء والصلحاء. وكان يصلي على من يموت في البلد - من فقير أو غني - بنفسه، ويحضر دفنهم، ويحب فعل الخير، كثير البر والصدقات، وكان له اشتغال بالعلم وطلب الحديث، وكان نافذ الكلمة وافر الحرمة … حكم في أيام ولايته من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب، وعم العدل منه سائر الجهات حتى تخيروه على خلفاء بغداد. وكانت أفعاله جميلة … غير أنه كان سفاكا للدماء، شديد الغضب، سيئ الخلق، قيل مات في حبسه ثمانية عشر ألف إنسان.

ولما مات الأمير أحمد دفن بالقرب من باب القرافة. قال بعض الثقات: كنت أرى شيخا من أهل العلم يقرأ على قبر الأمير أحمد بن طولون في كل يوم، ثم رأيته ترك القراءة ورجع عن ذلك، فسألته عن سبب ذلك فقال لي: كان للأمير أحمد على بعض احسان فأحببت أن أصله بعد موته بشيء من القرآن، فرأيته في بعض الليالي في المنام فقال لي:

يا فلان، لا تبق تقرأ على قبري شيئا، فإني ما تمر بي آية إلا قيل لي أما سمعت هذه الآية في دار الدنيا … فهلا كنت تعمل بها؟ وما رأيت أشد على رؤساء الدنيا من الحجاب في كتمهم لحوائج المظلومين عن الحكام. ثم أنشد يقول:

ولو أنا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حي

ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شيء

مع أن الأمير أحمد كان فيه الخير، وأبطل في أيامه جملة مكوس كانت حدثت بمصر، أيام أحمد بن المدبر.

قال ابن وصيف شاه: "لما توفي الأمير أحمد بن طولون خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكورا وباقي ذلك اناث، وخلف من الذهب العين عشرة آلاف ألف

<<  <  ج: ص:  >  >>