ولكن وقع في أواخر السنة حوادث مهولة. منها عصيان الأمير جان بردي الغزالي نائب الشام وقتله، وما وقع بالشام من الاضطراب، فكان من ملخص واقعة الأمير جان بردي أنه لما استقر به السلطان سليم شاه نائبا بالشام، أقام بها مدة وهو تحت طاعة السلطان سليم شاه في الظاهر، ولما ولي بعده ابنه سليمان على مملكة الروم، وأظهر جان بردي الغزالي العصيان جملة واحدة، ولم يدخل تحت طاعة السلطان سليمان بن عثمان، فقام معه أهل الشام من الأمراء والعسكر والعربان والعشير، وقالوا له قم وتسلطن فما بقي قدامك أحد تخشى منه، ونحن نقاتل معك حتى نتقل، فاستمال لقولهم، وطاش وخف، وكم عجلة أعقبت ندامة، فتسلطن بالشام وتلقب بالملك الأشرف أبي الفتوحات، وقبلوا له الأرض، وخطب باسمه في جامع بني أمية، وعلى بقية منابر دمشق. فلما تسلطن قالوا له:
امض إلى مصر وحارب خير بك، واملك منه مصر، فقال لهم: مصر في قبضه يدي، ولكن أتوجه إلى حلب وأخلصلها من أيدي العثمانية، فما يبقى خلفي التفاتة، ثم أتوجه إلى مصر. ولو أتى إلى مصر لكان خيرا له، وكان العسكر من الجراكسة وأهل مصر والعربان قاطبة يقلبوا على ملك الأمراء خاير بك، ويمضوا إليه، فإنه كان محببا للرعية.
فلما توجه الغزالي إلى حلب ليملكها، حاصر أهلها، وأحرق غالب الضياع التي حولها، وحصل منه الضرر الشامل لأهل حلب، فلما حاصر مدينة حلب لم يقدر عليها وعجز عن ذلك. وكان الأمير جان بردي الغزالي أول ما توفي السلطان سليم شاه وتولى بعده ابنه سليمان، أرسل يقول لملك الأمراء خاير بك تسلطن أنت بمصر، وأستمر أنا بالشام وأحكم من الفرات إلى غزة، ونطرد هذه العثمانية عن مملكة مصر. فلما وقف خاير بك على مطالعة الغزالي أفشى سره. وكان الغزالي أرسل يقول لخاير بك إن لم تتسلطن فعندي من يتسلطن، فأراد خاير بك أن يتنصح للسلطان سليمان، فأرسل له مطالعة الغزالي التي أرسلها له في السر. فلما وقف السلطان على مطالعة الغزالي، أرسل يقول لخاير بك: لا تخرج أنت من مصر للغزالي، فنحن نكفيك شره.
ثم إن السلطان سليمان أرسل تجريدة إلى الغزالي نائب الشام، فجهز له من العساكر العثمانية نحو أربعة عشر ألف مقاتل، فخرجوا من إسطنبول على حمية، وتوجهوا من إسطنبول إلى حلب، فأوقعوا مع الغزالي على حلب، فانكسر منهم، فتوجه إلى دمشق، فكان بين الفريقين واقعة مهولة على القابون خارج مدينة دمشق، فقتل من عسكر الغزالي هناك ما لا يحصي من عربان الكرك وأكراد وتركمان ومماليك جراكسة، ومن أهل دمشق، حتى قيل: قتل في المعركة من أهل دمشق شيوخ وشبان وأطفال، ومن سوقة دمشق ما لا يحصى.