إليكم ". فعرض الوالي هذه الواقعة على ملك الأمراء خاير بك فطلب النصراني البائع فهرب، وهرب الفرنجي المشتري، فقبض على شخص كان واسطة، وعلى شمس الدين البساطي، وقبض على النصراني والأفرنجي فيما بعد، وعوقبا وقرر عليهما مال له صورة. فلما وقف شمس الدين البساطي بين يدي ملك الأمراء قال له: ليش ما سألت الجارية إن كانت مسلمة أو غير مسلمة؟ فاختلط في الكلام وتلجلج لسانه عن الجواب.
فاشتد غيظ ملك الأمراء عليه، فرسم بقطع يده اليمنى فقطعت، وأن يشهر في القاهرة ففعل به ذلك. وكان حاضرا في المجلس قاضي القضاة المالكي محيي الدين الدميري، والقاضي شمس الدين العبادي، والأمير أرزك الناشف، وجماعة من الأمراء العثمانية، فلم يجسر أحد منهم أن يشفع فيه لشدة غضب ملك الأمراء عليه، وكان يوما مهولا.
والمحاكمة الثانية، عرض عليه شخص يقال له: محمد بن عز الدين، كان أبوه من جملة رسل الصالحية، وكان يعرف بابن بابه، وكان ابنه قبيح الصورة والسيرة، مشهورة بتزور المراسيم عن لسان المباشرين، وسبقت له وقائع كثيرة عن لسان الأكابر، فقيل: إنه زور مرسوما على لسان القاضي شرف الدين بن عوض، فقبض عليه ابن الغياثي وأحضره بين يدي ملك الأمراء، فكثرت فيه من الناس الشكاوى، فرسم بأن يشنق فشنق، وشهر في القاهرة وهو مخزوم الأنف ومقطع الآذان، فأراح الله تعالى العباد منه، فءنه كان كثير النصب والحيل، وتحكي عنه الغرائب والعجائب في أمر الحيل والنصب والسرقة.
والمحاكمة الثالثة، عرض عليه شخص من الفلاحين سرق ثورا، فرسم بأن يخوزق وتقطع أنفه وآذانه وأن يركب على الثور، ويشهر في القاهرة ثم يخوزق. وكان ملك الأمراء عجولا في أمر القتل، وقد شنق وخوزق ووسط في أيام ولايته على مصر ما لا يحصى من الناس، والغالب راح ظلما من غير ذنب، وكان ملك الأمراء شديد القسوة صلبا في الأمور جدا، وكان الأمر كما قيل في المعنى:
احذر تعاشر من يكن طبعهم … ظلم الورى دأبا وإن أحسنوا
لقول رب العرش سبحانه … في محكم الذكر ولا تركنوا
وفي يوم الخميس ثالث عشره، رسم ملك الأمراء بشنق ثلاثة أنفار من القواسة كانوا حراسا على قصب، فأتى إليهم بعض التركمان ليسرق من القصب، فضربه أحد القواسة فجاءت الضربة صائبة فمات ذلك التركماني. فلما بلغ خشداشينه ذلك توجهوا إلى شبرى