للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم في عقيب ذلك صار الكيخية أغات الانكشارية يركب في كل يوم ويشق من القاهرة، فإن وجد في طريقه انكشاريا يأخذ عصاه ويكسرها، ويقول له: الطلع إلى القلعة واقعد في الطبقة ولا تنزل إلى المدينة أبدا. وقيل: إنه منع الناس ألا يشتكوا أحدا من الانكشارية مطلقا، واستمرت الفتنة ثائرة بين الأصباهية والانكشارية إلى الآن، وكل منهما على حذر من رفيقه.

ومما وقع في الشهر من الحوادث أن جماعة من المماليك الجراكسة، نحو عشرة مماليك، قيل: فيهم: شخص من قرابة الأمير قانصوه ابن الأمير جركس، وشخص آخر كان والي قليوب، خرجوا على حين غفلة وقصدوا أن يتوجهوا إلى الأمير جان بردي الغزالي نائب الشام، فلما وصلوا إلى قطيا قبض عليهم نائب قطيا، ووضعهم في الحديد، وأرسل كاتب ملك الأمراء فيهم، فأرسل إليه ملك الأمراء جماعة من التركمان ليحضروهم، فلما وصلوا إلى قطيا أظهروا مرسوما من عند ملك الأمراء إلى نائب قطيا بأن يضرب رقابهم أجمعين، فامتثل ذلك وضرب رقاب العشرة مماليك، وكان فيهم شخص من العربان يرشدهم إلى الطريق، فضرب عنقه أيضا وكان قتلهم في مكان بين الصالحية وذيا يسمى حيرة والغافولة، فلما أشيع هذا الخبر شق ذلك على جماعة من المماليك الجراكسة، وشق ذلك على نائب الشام أيضا، ووقعت الوحشة بينه وبين ملك الأمراء خاير بك من يومئذ، ودبت بينهما عقارب الفتن.

وفي يوم الاثنين ثامن عشريه، كانت وفاة الكاتب المجيد أبي الفضل محمد السنباطي، المعروف بالأعرج، قيل: إنه مات فجأة على حين غفلة وكان له حظ.

ومن الحوادث العجيبة الغريبة التي لم يسمع بمثلها ما وقع في أواخر هذا الشهر، وأشيع واستفاض بين الناس، أن قانصوه خمسمائة الذي تسلطن قد ظهر بعض مضي هذه المدة الطويلة، وأنه باق في قيد الحياة، وقد تغيرت هيئته وصار له ذؤابة شعر في رأسه، وقد ابيضت لحيته. فكان من ملخص هذه الواقعة أن شخصا من أبناء العجم كان يرسل إلى ابنة قانصوه خمسمائة - التي كانت زوجة أنسباي حاجب الحجاب - ويقول لها: أنا أبوك، فترسل إليه ما ينفقه، فأقام على ذلك مدة طويلة، ثم أنه حضر إليها تحت الليل صحبة طواشي، فطلع إلى باب السلسلة، وكانت تزوجت بأمير آخور كبير مملوك ملك الأمراء، فلما فشا أمره، ولم يعرفه أحد من حاشية ابنة قانصوه خمسمائة، بلغ ذلك زوج ابنة قانصوه خمسمائة، فقبض عليه ووضعه في الحديد، وسجنه في البرج الذي بباب السلسلة، حتى يعرضه على ملك الأمراء، ويتبين ما يكون من أمره، وقد أنكر ذلك الناس قاطبة، فإن قانصوه خمسمائة له نحو ثلاث وعشرين سنة من حين قتل عند خان يونس

<<  <  ج: ص:  >  >>