وكان الخليفة لما أقام بإسطنبول أظهر فتكا زئدا، واشترى له جواري يضربن بالجنوك، ثم أنه قطع معلوم أولاد ابن عمه فشكوه إلى الخنكار، فحنق على الخليفة وأمر بأن جهاتهم تقسم ثلاثة أثلاث بين الجميع بالسوية، فأرسل هذا القاصد يحاسب لهم على ذلك، فلما حضر القاصد رسم على مباشري الخليفة، وعلى دواداره برد بك، وقال لهم:
أقيموا لنا حساب معلوم أولاد خليل بغاية الإنصاف.
وفي يوم السبت خامسه جلس الأمراء بالمقعد الذي بالحوش السلطاني، وحضر قدامه مصارعان، وهما شخص يقال له: الشاطر أبو الغيث الزريكشي، وخصمه شخص أعجمبي شنيع المنظر في خلقته، فتصارع مع الزريكشي فغلب الزريكشي ورماه إلى الأرض، وركب فوقه وعصره في الأرض حتى كاد يموت، فانتصر عليه وغلب أبا الغيث، وألبس ملك الأمراء الأعجمي قفطان حرير، ونزل من القلعة وقدامه طبلان وزمران، وجماعة من العثمانية وشق من القاهرة، وكان له يوم مشهود.
وفي يوم الأحد مع ليلة الاثنين رابع عشره، خسف جرم القمر خسوفا فاحشا حتى أظلم منه الجو، وأقام في الخسوف فوق أربعين درجة، وقد خسف أول ما أشرق عند طلوعه، واستمر بتزايد في الخسوف حتى مضى من الليل جانب كبير ووقع مثل هذا الخسوف في السنة التي مات فيها السلطان الغوري، وكان بين موته وبين الخسوف نحو شهرين، وجرى ما جرى من أهوال عقيب ذلك. ونسأل الله اللطف في هذا الخسوف الثاني.
وفي يوم الأربعاء سادس عشره نزل ملك الأمراء من القلعة، وتوجه إلى خليج الزعفران، وسبب ذلك أن الأمير كمشبغا الوالي صنع له هناك مدة حافلة، وأضافه فنزل إليه، وأقام هناك إلى آخر النهار، ثم عاد إلى القلعة، وكان قبل ذلك بيوم توجه إلى قصر ابن العيني الذي بالمنشية، وقيل: إنه أقام هناك إلى ما بعد العصر، وعاد إلى القلعة من يومه المذكور.
وفي يوم الاثنين حادي عشريه، وقع بين خير الدين نائب القلعة وبين قرا موسى أغات الأصباهية بحضرة ملك الأمراء بالقلعة فتنة، وسبب ذلك أنه وقعت فتنة كبيرة بين الانكشارية وبين الأصباهية، وصار في كل ليلة يوجد في الأزقة والطرقات جماعة مقتولون بالسيوف، فعز ذلك على قرا موسى، وقال لنائب القلعة خير الدين: هذا كله في ذمتك أنت الذي أطمعت الانكشارية في حق الناس، حتى صاروا يخطفون النساء والصبيان، ويخطفون عمائم الناس بأبيديهم، ويعرونهم ويقتلونهم، ويخطفون بضائع السوقة، والخنكار ما يدري بشيء من ذلك، وإن بلغه ذلك فما يصحل لك خير.