للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الظلم، فكثر عليهم الدعاء من الناس، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وكان كما يقال في المعنى:

فاستغن بالسمع عن مرآهمو عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم

وصاروا يفتحون على الناس أبوابا من المظالم شيئا بعد شيء، ووضعوا أيديهم على البلاد قاطبة، حتى على الأوقاف التي على الجوامع والمساجد والزوايا، وضاع على الناس خراجهم وحصل لهم الضرر الشامل، ثم أنهم أبطلوا الإقطاعات التي بالمناشير، وأدخلوها في ديوان السلطان، ثم في السنة الثانية أوقفوا الرزق التي بالمربعات الجيشية التي بيد أولاد الناس والنساء وغير ذلك، وصاروا يضعون أيديهم على بلاد الأوقاف، ويستخرجون منها الأموال ولا يفرجون عنها إلا بعد جهد كبير لمن يأخذون برطيلة.

وكانوا إذا قرروا مع ملك الأمراء شيئا من أمر البلاد يطاوعهم على الفساد، ويقول لهم: افعلوا ذلك، وهو في أيديهم مثل اللولب يدورونه كيف شاؤوا، وكان الوقت قد صفا لهم، وصاروا يتصرفون في أحوال المملكة بما يختارونه، فأخذهم الله أخذا وبيلا، ولم يجدوا لهم من الله سبيلا، وتكدرت معايشهم بعد الصفا، وخانهم الدهر بعد الوفا، وقد قلت:

إذا صفا الدهر يوما … إلى التكدر يرجع

هل من لبيب تراه … بأيسر الرزق يقنع

فليعتبر من يشاهد … لمصرع بعد مصرع

وفيه قدمت الأخبار من دمشق بأن الحاج الشامي قد استولت عليه الأعراب وعوقوهم عن الدخول إلى البلاد الشامية، ونهبوا أموالهم وجمالهم، وغنموا منهم أموالا لها صورة، فلما بلغ الأمير جان بردي الغزالي ذلك، خرج إلى العربان من يومه، وخرج صحبته نائب غزة بعساكر غزة، ونائب الكرك، فاقتتل مع العربان وانتصر عليهم، وقتل منهم جماعة كثيرة، وغنم أموالهم وما كانوا غنموه من الحاج الشامي، وهو شيء لا ينحصر، فاحتاط على جميع ما معهم، وهربوا من وجهه إلى الجبال، وخلص ما كانوا أسروه من رجال ونساء وصبيان وغلمان، فكان له الشكر على ذلك.

وفيه تزايد الضرر من الأصباهية في حق الناس، وصاروا يخطفون النساء من الطرقات، وكذلك الصبيان المرد، حتى قيل لهم: إنهم خطفوا امرأة عند سلم المدرسة المؤيدية تحت دكان الذي يبيع الكعك، والناس ينظرون إليهم وهم يفسقون بها، فلم يجسر أحد من الناس أن يخلصها منهم، ثم صاروا يقطعون الطرقات على نساء المسلمين، وعلى البياعين، وصار أهل مصر منهم في غاية الضنك والأمر لله تعالى.

<<  <  ج: ص:  >  >>