للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي أوائل هذا الشهر قدمت الأخبار من ثغر الإسكندرية مع بعض تجار البنادقة، أن جماعة من المباشرين الذين خرجوا من مصر وتوجهوا إلى إسطنبول في البحر المالح، لما وصلوا إلى قرب جزيرة إقريطش خرجت عليهم طائفة من الفرنج الروادسة الذين هم أشد طوائف الفرنج، فتحاربوا مع الجماعة العثمانية الذين خرجوا صحبة المباشرين، فقتلوا منهم جماعة ومن جملتهم الخواجا هاشم، وكان من أبناء العجم، وكان من أخصاء ملك الأمراء خاير بك، وكان قرره في نظر المارستان ونظر جهات الجوالي، فقتل في هذه المعركة. وكان قصده أن يتوجه إلى الخنكار صحبة المباشرين.

فلما خرجت عليهم الفرنج تحارب معهم حتى قتل في المركب التي كان فيها الشرفي يونس النابلسي الأستادار، والقاضي بركات كاتب الرجع أخو القاضي شرف الدين الصغير كاتب المماليك، وكان بهذه المركب يوسف البدري الوزير، والناصري محمد بن الورد لاعب الشطرنج أيضا، فلما خرج عليهم الفرنج رموا على مركبهم بالمدافع فانخرقت وغرقت، وغرق كل من كان فيها من المباشرين، وغيرهم، فغرقوهم وأموالهم التي كانت معهم جميعا، فغرق الشرفي يونس النابلسي الأستادار، وبركات كاتب الرجع، ويوسف البدري الوزير، ومحمد بن الورد لاعب الشطرنج، وقيل: سلم من الغرق مع رفيقه أحمد الإسكندراني.

ثم أشيع بأن المركب التي كان بها علاء الدين ناظر الخاص، وفخر الدين بن عوض، والقاضي أبو البقاء ناظر الأسطبل، والشرفي يونس نقيب الجيش، وأحمد الإسكندراني لاعب الشطرنج، سلمت من الغرب، فسار بها الهواء إلى نحو جزيرة إقريطش، فخرجوا وهم عراة حفاة مكشوفو الرؤوس، ومشوا نحو سبعة أيام حتى أعيوا من المشي وتورمت أقدامهم، وأشرفوا على الموت مرارا. وأما الشرفي يونس نقيب الجيش فإنه مرض هناك ومات ودفن بجزيرة إقريطش، وأما علاء الدين ناظر الخاص، فإنه مرض وعجز عن المشي حتى حمله بعض الفرنج على أكتافه. وكذلك أبو البقاء ناظر الأسطبل، وفخر الدين بن عوض فاستمروا على ذلك سبعة أيام حتى وصلوا إلى صاحب جزيرة إقريطش، فلما رآهم أحسن إليهم وكساهم، وأقاموا عنده مدة طويلة، ثم جهزهم وأرسلهم إلى إسطنبول، هكذا أشيع والعلم لله تعالى.

فلما ثبت موت هؤلاء المباشرين خرج نعيهم وطيف بالقاهرة، ودقوا عليهم بالطارات، وكان هؤلاء المباشرون تزايد ظلمهم على أولاد الناس، وضيقوا عليهم بسبب أرزاقهم، وأوقافهم وإقطاعاتهم. ولا سيما ما فعله فخر الدين بن عوض في جهات الغربية من وجوه

<<  <  ج: ص:  >  >>