للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بن أبي شريف شيخ الحضور باكر النهار، ومحب الدين الحلبي الإمام شيخ الحضور العصر، كما أمر بذلك. فجاءت هذه المدرسة من محاسن الزمان، ولا سيما في هذا الخط الذي لم يتفق لأحد من الملوك البناء فيه، فعد ذلك من جملة سعد قانصوه الغوري. وكان أصل هذا المكان قيسارية تسمى قيسارية الأمير علي، فاستبدلت من وقف الناصر محمد بن قلاوون.

ووقع للغوري أشياء غريبة لم تقع لغيره من الملوك، منها: أنه نقل الأثر الشريف النبوي من مكانه الذي كان به المطل على بحر النيل، فجعله في مدرسته، حتى عد ذلك من النوادر. وقد تعب الصاحب بهاء الدين بن حنا في نقل هذا الأثر الشريف. وكان عند جماعة من بني إبراهيم بالينبع، فلا زال يتلطف بهم حتى اشتراه منهم بستين ألف درهم بالدراهم القديمة، ثم نقله إلى الديار المصرية وبنى له مسجدا مطلا على بحر النيل. وكان الناس يقصدون الزيارة إليه في كل يوم أربعاء. فلما تلاشى أمر ذلك المكان الذي كان به الأثر الشريف استفتى السلطان العلماء، فأفتوه بنقله إلى مدفنه بالقبة، وهذا بخلاف شرط الواقف.

ثم أن السلطان نقل المصحف العثماني إلى مدرسته أيضا، وعد ذلك من النوادر. ثم نقل إلى المدرسة أيضا الربعة العظيمة المكتوبة بالذهب التي كانت بالخانقاه البكتمرية التي بالقرافة. قيل إن مشتراها على الواقف ألف دينار، ولم يكتب نظير هذه الربعة، سوى ربعة أخرى بخانقة سرياقوس، اشتراها الملك الناصر محمد بن قلاون بألف دينار أيضا.

وأخرى بالمدينة الشريفة، وأودعها بهذه الخانقة.

وقد وقع للأشرف قانصوه الغوري في مدرسته من المحاسن ما لا وقع لأحد قبله من الملوك، وحاز فيها أشياء غريبة عزيزة الوجود. ولما نقل الأثر الشريف والمصحف العثماني إلى مدرسة السلطان، كان له يوم مشهود، ونزل قدامه القضاة الأربعة، والأتابكي قيت، وجماعة من الأمراء المقدمين والفقراء أرباب الزوايا بالأعلام وهم يذكرون.

وفي ذلك اليوم، خلع على الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، وقرره في مشيخة هذه المدرسة. وقد صرف عن قضاية القضاة، وانفرد بمشيخة مدرسة السلطان، واستمر بها إلى الآن. وقد قلت من قصيدة مدحت بها السلطان، وقد عرضت عليه واستحسنها، فمن أبياتها قولي في جامعه الذي أنشأه، وهو قولي:

بنى بمصر لله بيتا … رخامه قائم ونائم

فجاء في حسنه فريد … من كل عيب يقال سالم

فليس يبني له نظير … في سائر المدن والأقالم

<<  <  ج: ص:  >  >>