هذا، وإن من مذهب السلف الصالح أن يجري الكلام فيه وفي أمثاله على ظاهره بعد أن نقر أن هذا النور ليس من نوع هذه الكيفية الفائضة على الأجسام، ونحيل كنه معرفته إلى قصور أفهام البشر. ووجدت في تضاعيف كلام الإمام ما معناه: أن طريق المحققين من الموحدين القول بأنا نعلم أنه ليس مراد الله في أمثال هذه الصفات هذه المشاهدات، وأما تعيين المراد فهو مفرض إلى الله تعالى، وأما قول محيي السنة: ذلك حين يتحلى الله الرب لفصل القضاء بين خلقه، فهو الذي يقتضيه المقام من التأويل وعليه التعويل؛ لأن المقام مقام تجلي الذات بصفات الجلال والعظمة؛ لما يلوح من صفحات معنى الآية تباشير معنى قوله:{لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}[غافر: ١٦] ولمجيء الأفعال المتناسقة على البناء للمفعول على نحو قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ}[هود: ٤٤] الآية.
قال المصنف: ومجيء أخباره على الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل قادر قاهر، وأن فاعلها واحد لا يشارك في أفعاله، ولا يذهب الوهم إلى أن غيره الفاعل. بل الكلام من مبدئه وارد على سنن أحوال الملوك ومرون عادتهم، فإن الملك العظيم إذا ضرب سرداق جلاله وعظمته ليوم يشهد لقضاء شؤون العامة يأمر بإحضار خواص حضرته وأساطين مملكته، ثم يبرز من الحجب بحيث يشاهده الظالم والمظلوم، ويتصدى لفصل القضاء بنفسه، والحاكم العادل إذا جلس للقضاء في مسنده يضع بين يديه فرقان حكم الله ويأمر بإحضار العدول وإقامة الشهود، ولا مانع من إجراء هذه الألفاظ على هذه المعاني، على أن كنه معرفته موكول إلى علم الله.
وفي جعل النور مجازًا عن العدل تحجير للواسع، وتقصير للكلام الجامع، على أن العدل من لوازم هذا البيان. وأما قوله:{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} فهو متصل بقوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} وتذييل لمعناه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
وكان الوالد المغفور له_ تغمده الله بغفرانه_ كثيرًا ما يجري على لسانه أن جماعة من