عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعه أبو جهل يقول: يا الله يا رحمن، فقال: إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم فنزلت. والدعاء: بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء، وهو يتعدّى إلى مفعولين، تقول: دعوته زيدا، ثم يترك أحدهما استغناء عنه فيقال: دعوت زيدا. والله والرحمن، المراد بهما الاسم لا المسمى. و (أو) للتخيير، فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا،
لأجل وصول الأذقان إلى الأرض؛ لأن الانحطاط أكثر في وصول الأذقان من وصول الجبهة إليها، وحاصله أنهم يبالغون في الخرور، ويلصقون بالأرض ما أمكن إلصاقه بها من الوجه. تم كلامه.
فإن قلت: قوله: "جعل ذقنه ووجهه للخرور واختصه به" مخالفٌ لظاهر الآية؛ لأنه جعل الخرور مختصاً بالذقن لقوله:(يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ). قلت: إن الخرور إذا اختص بالذقن اختص الذقن به، وما عليه التلاوة أدل على خضوعهم وتواضعهم.
قوله:(فمعنى (ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ) سموا بهذا الاسم أو بهذا)، قال القاضي: المرادُ بالتسوية بين اللفظين، هو أنهما يُطلقان على ذات واحدة، وإن اختلف اعتبارُ إطلاقهما، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود، هذا إذا كان رداً لقول المشركين، وعلى أن يكون رداً لليهود، المعنى: أنهما سيان في حُسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود، وهو أجود، لقوله:(أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى).