والقصبات لأنَّ ذلك ملك للسلطان ومن وظيفه، وأوعدهم إن هم امتنعوا بهدم ديارهم عليهم، فلم يكن لهم إذ ذاك بد من الامتثال والجواب بالسمع والطاعة.
ولما جن الليل ارتحلوا إلى بلادهم فاس، وقرروا لإخوانهم الأوامر السلطانية، فاتفق رأيهم على رفض ذلك وعدم الإجابة له، واجتمع فقهاؤهم وأشرافهم وأعيانهم للمفاوضة والنظر في وجه يمكن به خلاصهم مما ذكر، وبإثر ذلك ورد عليهم من الحضرة السلطانية كتاب بتسليم ما ذكر لجانب السلطان، فحاصوا حيصة حمر الوحش وهاجوا وماجوا، ثم اتفق رأيهم على أن يعينوا وفدا يوفدونه للشفاعة لدى المترجم أولاً، والتزموا بأداء جميع الوظائف التي كانوا يؤدونها لوالده وإعطاء الضمان على ذلك، فلم يرفع لهم رأساً، وردهم ناكصين على الأعقاب، ثم اتفق رأيهم ثانيا على أن يوجهوا لسدته الكريمة هدية تبرع بها تجارهم، وعينوا جماعة من أعيانهم توجهت بها فتعرض الودايا إليهم ونزعوا منهم الهدية وسلبوهم من كل ما بيديهم وأودعوهم سجن فاس الجديد، وصرحوا لهم بأن صاحب الترجمة أمرهم بحصار فاس الإدريسية.
ولما علم بذلك أهل فاس القديمة صمم العامة منهم على رفض بيعته، ونازع العلماء في ذلك محتجين بأن بيعته في أعناقهم فطاعته واجبة عليهم، إلَّا إن أمرهم بكفر براح فأعارهم الجمهور أذنا صماء وأعلنوا بخلع ربقة بيعة المترجم ورفض طاعته، ونادوا في المدينة من أراد الخروج لبلاده فليتهيأ لثلاث، وأغلقوا أبواب البلد وذلك في سادس الشهر المذكور.
ولما اتصل هذا النبأ بالمترجم صمم على محاربتهم، فجيش الجيوش وخرج لإرغامهم على الرضوخ للطاعة في خامس عشر شوال المذكور، وأحدقت عساكره الجرارة بفاس، وعثت في السبل الموصلة إليها، وقطعت أشجار جناتها، وهدمت مبانيها، وأفسدت الزروع والبحائر، وقطع عنهم الوادى، وحاربهم من كل ناحية