للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ذهبت العصرانية تفسر كل العقائد والأمور الغيبية، التي تظن أنها متعارضة مع ما يثبته الحس والتجربة والعلوم العصرية، "ولم يتبين لي كيف أن العصرانية آمنت أن مذهب الحلول نفسه مذهب موافق للعقل ولما يثبته الحس والتجربة".

ومهما يكن الأمر فإن فكرة الحلول إذا طبقت على الوحي "فكل الكلمات الحكيمة والرسالات الرفيعة من أي رجل جاءت فهي وحي"، فالفلاسفة والشعراء والأنبياء والقديسون "جميع هؤلاء كانوا مدارج للوحي الإلهي" (١)، وذلك لأن الإنسان نفسه ذو طبيعة إلهية. وبكلمات جورج تيريل الوحي هو التجلي الذاتي (Self-Manifestation) للإله في حياتنا الباطنية"، إن كلمة وحي "في الأصل ترمز إلى تجربة دينية، ثم أصبحت تدل على التعبير عن تلك التجربة ونقلها للآخرين"؛ وعلى هذا فالوحي "ظاهرة خالدة موجودة في كل نفس متدينة ولا ينقطع أبدًا. . ." (٢).

والمعجزات ليست هي تدخلًا منفصلًا من الذات الإلهية لخرق قوانين الطبيعة، بل كل شيء في الطبيعة فهو معجزة، والمعجزات في كل مكان وكل حادث، حتى حوادث الطبيعة، والشائعة هي معجزة إن كان فيها ما يؤدي إلى تفسير ديني. وليس الخلود استمرارًا للحياة وراء القبر بل يمكن أن نحصل عليه الآن وفي هذه الحياة، وهو أن نتحد مع الثابت الخالد ونحن وسط المؤقت وأن نكون أزليين في كل لحظة. "فالنظرية القديمة التي أقرها مجمع خاليدونية (Council of Calcedon) في عام (٤٥١ م) كان معناها أن الشخص الواحد يسوع يملك طبيعتين متباينتين متمايزتين تمامًا، الإلهية والإنسانية. أما بعد توحيد ما هو إلهي وما هو إنساني، فقد فقدت قيمتها جميع نقاط المجادلات القديمة حول الأصل الإلهي للمسيح، والتجسد، وولادة العذراء، فالمسيح إلهي حقًا تمامًا كما أن جميع الناس إلهيون، لكنة كان واعيًا لألوهيته وتمكن من أن يخضع حياته بشكل أتم إلى هذه الألوهية" (٣).

رفض سلطة الكنيسة:

ومن أهداف العصرانية أيضًا رفض سلطة الكنيسة، ولكن ليس إلغاؤها بل


(١) "تكوين العقل الحديث" جون راندال ص ٢٥٠.
(٢) " The American Ecclesistical Review", V.٥٠١ (May ١٩٠٨).
(٣) " تكوين العقل الحديث" راندال ص ٢٥٠ - ٢٥١.