للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الذي يأخذه التعبير العقدي، واصفة "الروح" بأنها أمر ثابت ومطلق، وواصفة الشكل بأنه "أداة" فقط ذات قيمة نسبية ومتغيرة. وتعرف "روح" الدين تعريفًا غامضًا "أو هكذا بدا لي" إذ يقال أنها ذلك الإدراك الذي يقوم شاهدًا على وجود تجربة دينية معينة، ولكن هذا الإدراك والوعي بالتجربة الدينية لا يمكن إلا وأن يمر عبر العقل البشري الذي يترجمه في فكر ورموز تصطبغ وتتأثر بالعادات والتقاليد وطرق التفكير السائدة في زمن ظهورها. فالروح هي ذلك الإدراك، أما الشكل فهي تلك الرموز التي يعبر فيها عنه، ولذا فهي قابلة لأكثر من تفسير (١).

إعادة تفسير النصرانية:

إن الدعوة الرئيسة لحركة العصرانية هي المناداة بضرورة إعادة تفسير مفاهيم النصرانية التقليدية في ضوء ما يسمى معارف العصر. ويقول العصرانيون أن عقائد المسيحية الحالية قد نصت ضمن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، ولا يمكن فهمها إلا في حدود تلك الفلسفة، وقد أخذوا هم على عاتقهم أن يعيدوا تفسيرها على ضوء الفلسفة الجديدة، ولأنهم ذهبوا إلى أنها رموز فكرية تمثل تجربة الماضي الدينية فقد احتفظوا بالكلمات والعبارات القديمة، ولكنهم استعملوها في معان مختلفة تمامًا عن المعنى الذي استعمله فيها أوغسطين والأقويني وكالفان وويزلي، وتبريرهم لهذا يقوم على القول أن كلًّا من هؤلاء المفكرين أخذ اللغة التقليدية بدوره وفسرها تفسيرًا مختلفًا عن الآخر. وأن معنى المذاهب القديمة كان دائم التغير للتكيف مع العالم الفكري الجديد الذي يعيش فيه المفكر. . . إن اللاهوت يجب أن يصب خمر المعرفة الجديدة في الزجاجات القديمة من العقائد الكلاسيكية (٢)، وقد أخذت هذه التفسيرات اللاهوتية الجديدة أشكالًا عديدة، ولكن مهما يكن شكلها فقد تضمنت انفصالًا جذريًا عن المفاهيم اللاهوتية القديمة (٣).

والمفتاح الأساسي الذي استعمل لإعادة تفسير تعاليم النصرانية هو مذهب الحلول، وهو أن الله والكون والإنسان شيء واحد. وعلى ضوء هذا المذهب


(١) انظر: v.٨. p.٧٦٧. "Encyclopaedia of Religion and Ethics"
(٢) " تكوين العقل الحديث" جون راندال ٢/ ٢٤٩.
(٣) المصدر نفسه ص ٢٤٩.