للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وعلى هذا المنهج تقيم العصرانية رفضها لسلطة المنقول (Tradition) لأنه يناقض ما أثبته العلم الحديث في نظرها، وتدعي أن المنقول سواء تمثل في الأناجيل أو في شروحها، ما هو إلا تعبير عن التطور المرحلي للفكر الديني في العصر الذي كتب فيه. إنها تنفي نفيًا باتًا أن تكون النصوص التي تلصق بها صفة القدسية، قوالب محدودة جامدة لحقائق الدين ثابتة لكل الأزمنة، ولكنها فقط تعبير عن مشاعر وتجارب البشر في عهد تاريخي معين. وبناء على هذا يعتقد أن الحقائق الدينية تخضع لتفسيرات متطورة حسب تقدم المعرفة البشرية، وكلما تقدمت المعرفة حدثت تصورات جديدة لحقائق الدين (١). يقول جورج تيريل في كتاب "برنامج العصرانية":

". . . القديس توما الأقويني (٢) كان المجدد الصحيح في زمنه، والرجل الذي جاهد بثبات وعبقرية عجيبين للتوفيق بين الإيمان والفكر في أيامه، ونحن الخلفاء الصحيحون للمدرسيين في كل ما كان ذا قيمة صحيحة في عملهم، وفي حسهم الدقيق في تكييف الديانة المسيحية مع الأشكال الدائمة التغير في الفلسفة والثقافة العامة" (٣).

وكانت من نتائج هذا النقد التاريخي أن دخلت فكرة التطور في تعاليم الدين وتبع ذلك مفهوم نسبية الحقيقة (٤)، وصاحب ذلك بعض المبادئ الأخرى ذات الصلة. ذلك أن المرء إذا آمن أن تعاليم الدين تخضع لتطور مستمر، وتكيف وتشكل حسب نمو المعرفة، فإن ذلك يستتبع أن تنشأ في ذهنه مجموعة من الأسئلة الهامة منها: ما الثابت والمتغير في الدين؟ وهل حقائق الدين مطلقة (absolute) ما دامت تتكيف حسب المعرفة النامية؟

فالعصراني يواجه هنا سؤالًا حرجًا: كيف يوفق بين تطور تعاليم الدين وعقائده في كل عصر وبين قيمتها كحقيقة؟ ولقد حاولت العصرانية التغلب على هذه الصعوبة بأن تفرق بين ما تسميه "الروح" (Spirit) وبين "الشكل" (form)


(١) The Encylopadia Americana (١٩٧٢) V ١٩.P. ٢٨٩ K.
(٢) حوالي (١٢٢٥ - ١٢٧٤ م) من أقطاب فلسفة المدرسيين وهي فلسفة نصرانية سائدة في القرون الوسطى مبنية على منطق أرسطو (انظر: "الموسوعة الفلسفية"، مادة: (الأقويني)).
(٣) "تكوين العقل الحديث" راندال ٢/ ٢٣٥.
(٤) Moore,"History of religions" P.٣٣٧.