للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

النقد التاريخي للمنقول:

الجانب الأول في العصرانية هو ما اضطلعت به من نقد للتوراة والإنجيل في إطار ما سمي بالنقد التاريخي، ومن الكتب التي تناولت هذا الجانب كتاب الراهب لويزي "أناجيل مرقص ومتى ولوقا" (L S Evangiles Sypnotiques)، والذي ظهر عام (١٩٠٧ م). والكتاب ضخم في مجلدين عدد صفحاته ١٨٣٢ صفحة؛ وفي هذا الكتاب توصل الراهب الكاثوليكي إلى آراء مدهشة. فهو يؤكد أن الأناجيل بصورتها الحالية تشتمل على مجموعة من الأساطير والخرافات ولهذا لا يمكن أن تكون هي كلمات الله المقدسة. ولكن ما هي هذه الخرافات والأساطير؟ في نظره كل ما هو غيبي وخارق للطبيعة (Supernatural) فهو خرافة. . . مثل ماذا؟ مثل ولادة المسيح من أم عذراء يقول: "فهذه الأسطورة لابد أن تكون قد تكونت خارج فلسطين في أرض بعيدة عن موطن عيسى وبعيدة عن أي معرفة حقيقية بتفاصيل حياته. . ." وهو مؤمن بأن المسيح قد ولد من أم وأب كما يولد سائر الناس، وأن أباه هو يوسف النجار. . . وكذلك موت عيسى في تحليلاته قد أحيط بكثير من الأوهام، وحسب بحثه العلمي التاريخي أن عيسى قد قتله أعداؤه اليهود، وقطعوا جسده إربًا إربًا ورموا أجزاء رفاته في قناة للمياه. ولكن تلاميذه لم يصدقوا موته، واستمروا يعتقدون أنه ما زال على قيد الحياة، وادعى بعضهم رؤيته في مكان ما ثم تطورت هذه العقيدة إلى أنه رفع من قبره وأن قبره قد وجد خاويًا!

ويمثل هذا الخيال الخصب يستمر لويزي في نقده، ويقسم معجزات عيسى إلى قسمين: معجزات عادية مثل: إشفاء المرضى، وأخرى خارقة للطبيعة مثل: إحياء الموتى وتكثير الطعام وما إليها، وفي اعتقاده أن النوع الأول فقط هو الصحيح أما النوع الآخر فلم يحدث أبدًا. وهذا عنده أحد الأدلة على أن الأناجيل كتبتها عقول بشرية وحشتها بما لا يصدقه العقل! وعلى نفس الأسس في رفض كل ما هو فوق الطبيعة ينتقد فكرة ألوهية عيسى ويقول: "إن ادعاء أن عيسى إنسان مقدس، وأنه كان واعيًا بأنه إله في صورة بشر لا يمكن أبدًا إثبات أنه حقيقة، بل هناك أكثر من دليل على أنه باطل. . . إن عقيدة ألوهية المسيح ما هي إلا رمز للصلة القوية التي تربط الإنسانية جمعاء بالله ممثلة في شخص المسيح" (١).


(١) Recent Bible Study, American Ecc. Review (April ١٩٠٨) V ٣٨ p. ٤٥٠ - ٤٥٩ and (Hab ١٩٠٩) V ٤٠ p.١ - ١٥.