للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال القرطبيّ: هذا خطاب منه للعرب بنحر ما كانت تفعل، لأنّهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، وللغدر راية سوداء، ليلوموا الغادر ويذمّوه، فاقتضى الحديث وقوع مثل ذلك للغادر ليشتهر بصفته في القيامة فيذمّه أهل الموقف، وأمّا الوفاء فلم يرد فيه شيء ولا يبعد أن يقع كذلك، وقد ثبت لواء الحمد لنبيّنا - صلى الله عليه وسلم -.

وفي الحديث غلظ تحريم الغدر , لا سيّما من صاحب الولاية العامّة , لأنّ غدره يتعدّى ضرره إلى خلق كثير (١)، ولأنّه غير مضطرّ إلى الغدر لقدرته على الوفاء.

وقال عياض: المشهور أنّ هذا الحديث ورد في ذمّ الإمام إذا غدر في عهوده لرعيّته أو لمقاتلته أو للإمامة التي تقلدها والتزم القيام بها، فمتى خان فيها أو ترك الرّفق فقد غدر بعهده.

وقيل: المراد نهي الرّعيّة عن الغدر بالإمام. فلا تخرج عليه , ولا تتعرّض لمعصيته لِما يترتّب على ذلك من الفتنة.

قال: والصّحيح الأوّل.

قلت: ولا أدري ما المانع من حمل الخبر على أعمّ من ذلك، وأنّ الذي فهمه ابن عمر راوي الحديث هو هذا (٢). والله أعلم.


(١) ويدل عليه ما رواه مسلم (١٧٣٨) عن أبي سعيد - رضي الله عنه - , قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لكل غادر لواء يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ألاَ. ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامّة.
(٢) أخرج البخاري في " الصحيح " (٧١١١) عن نافع قال: لَمَّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابنُ عمر حشمَه وولدَه، فقال: إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ينصب لكل غادرٍ لواء يوم القيامة , وإنّا قد بايعنا هذا الرجلَ على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يُبايع رجلٌ على بيع الله ورسوله , ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحداً منكم خلعَه، ولا بايع في هذا الأمر، إلَّا كانت الفيصل بيني وبينه.

<<  <  ج: ص:  >  >>