وإنما سُمِّيَ (نبيَّ التوبة) - و (التوبةُ): الرجوعُ - لأن الكَفَرَة كان رجوعُهم إلى الإسلام في زمانه، ويكونُ رجوعُهم إلى الإسلام بعدَه إلى يوم القيامة بدعوته، وكذا العصاةُ يرجِعُون إلى الطاعة ببركته.
قال في "شرح السنة": فإن قيلَ: فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أنا نبيُّ الرحمة، ونبيُّ المَلَاحِم" كيف وجهُ الجَمْعِ بينهما؟.
قال:"بُعِثْتُ بالرَّحْمَة"، وقال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: ١٠٧] فكيف يكونُ مبعوثًا بالرحمة، وقد بُعِثَ بالسيف؟
قيل: هو مبعوثٌ بالرحمة كما ذُكِرَ، وكما أَخْبَر الله تعالى، وذلك أن الله تعالى بَعثَ الأنبياء، وأَيَّدَهم بالمعجزات، فمن أنكرَ من تلك الأمم الحقَّ بعد الحُجَّةِ والمُعْجِزَة عُذِّبُوا بالهَلَاك والاسْتِئْصال، ولكن الله أمر نبيَّه بالجهاد معهم بالسيف؛ ليرتدِعُوا من الكفر، ولم يحتاجوا إلى السيف، فإن للسيف بقيةً، وليس مع العذاب المنزَل بقية.
قال في "شرح السنة": قلتُ: ومما يؤيدُ ذلك حديثُ عائشةَ رضي الله عنها: إن الله بعثَ إليه مَلَكَ الجبال، فقال: إن شئتَ أن أُطْبقَ عليهم الأَخْشَبين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من يعبُدُ الله وحدَه، لا يُشْرِكُ به شيئًا".
وهو مبعوثٌ أيضًا بالرَّحْمة من حيث إنَّ الله تعالى وضعَ في شريعته عن أمته ما كان في شرائع الأمم السالفةِ عليهم من الآصار والأَغْلال التي كانَتْ عليهم، هذا كلُّه لفظُ "شرح السنة".
(الملاحم): جمع مَلْحَمَة، وهي الوقعةُ العظيمةُ في الفتنة؛ يعني: الحروبَ العظيمة التي ظهرت.