للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

والمراد أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذن، لكن يدلّ على زيادته في الإبعاد ما تقدّم للمصنّف في هذا الباب من حديث جابر -رضي اللَّه عنه- قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الرَّوْحَاء".

قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفنا أن الأقرب كون الضراط لعدم سماعه الأذان، على أنه لا مانع من اجتماع الأمرين في حصول الضراط، واللَّه تعالى أعلم.

٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطال عن المهلب: فيه من الفقه أن مَن نَسِي شيئًا، وأراد أن يتذكره فَلْيُصَلِّ، ويُجْهِد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا، فإن الشيطان لا بدّ أن يحاول تَسْهِيتَهُ، وإذكاره أمور الدنيا؛ ليصدّه عن إخلاص نيته في اورة.

وقد رُوِي عن أبي حنيفة أن رجلًا دَفَن مالًا، ثم غاب عنه سنين كثيرةً، ثم قَدِم فطلبه، فلم يهتد لمكانه، فقصد أبا حنيفة، فأعلمه بما دار له، فقال له: صَلِّ في جوف الليل، وأخلص نيتك لله تعالى، ولا تُجْرِ على قلبك شيئًا من أمور الدنيا، ثم عَرِّفني بأمرك، ففعل ذلك، فذَكَرَ في الصلاة مكان المال، فلما أصبح أتى أبا حنيفة، فأعلمه بذلك، فقال بعض جلسائه: من أين دللته على هذا يرحمك اللَّه؟ فقال: استدللت من هذا الحديث، وعلمتُ أن الشيطان سيرضى أن يصالحه بأن يُذَكِّره موضع ماله، ويمنعه الإخلاص في صلاته، فعَجِب الناس من حسن انتزاعه واستدلاله. انتهى كلامه.

٩ - (ومنها): ما قاله العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هل يتوقف هروب الشيطان من الأذان على كونه أذانًا شَرعيًّا مستجمعًا للشروط، واقعًا في الوقت، مقصودًا به الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو يهرُب من الإتيان بصورة الأذان، وإن لم يوجد فيه ما تقدَّم؟ الأقرب عندي الأول، وكلام أبي صالح السمّان راوي الحديث عن أبي هريرة -يعني الحديث المذكور قبل هذا الحديث- يدل على أنه فهم الثاني.

قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما فهمه أبو صالح هو الأظهر؛ لظاهر النصّ، ويؤيّد ذلك الأثران التاليان، واللَّه تعالى أعلم.