وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس في قلبه، كما روي:"تعوّذوا من خشوع النفاق"، وهو أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}[الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين {إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}[الأنفال: ٢].
وكذلك في الآية الأخرى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربّهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم.
[فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ.
[قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع".
وقد ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى:{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجّاج: قست في اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قُتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويًّا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف. وفي الأثر: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها،
(١) هذا موضوع مرفوعًا، وإنما هو من قول ابن المسيّب، وهو أيضًا ضعيف. انظر: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١/ ١٤٣ - ١٤٤ رقم الحديث ١١٠.