للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقيل: الضمير يعود على أحد الذنبين، وهو النميمة؛ لأنها من الكبائر، بخلاف كشف العورة، وهذا مع ضعفه غير مستقيم؛ لأن الاستتار المنفيّ ليس المراد به كشف العورة فقط، كما سيأتي.

وقال الداوديّ، وابن العربيّ: "كبير" المنفيّ بمعنى "أكبر"، والمثبت واحد الكبائر: أي ليس ذلك بأكبر الكبائر، كالقتل مثلًا، وإن كان كبيرًا في الجملة.

وقيل: المعنى ليس بكبير في الصورة؛ لأن تعاطي ذلك يدلّ على الدناءة والحقارة، وهو كبير في الذنب.

وقيل: ليس بكبير في اعتقادهما، أو في اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: ١٥].

وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، أي كان لا يشق عليهما الاحتراز من ذلك، وهذا الأخير جزم به البغويّ، وغيره ورجحه ابن دقيق العيد، وجماعة.

وقيل: ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، ويرشد إلى ذلك السياق، فإنه وَصَفَ كلًّا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه، واستمراره عليه؛ للإتيان بصيغة المضارعة بعد لفظة "كان"، قاله في "الفتح".

قال الجامع عفا الله عنه: جملة هذه الأقوال ثمانية، وأقواها عندي ما جزم به البغويّ وغيره، ورجحه ابن دقيق العيد وغيره، وحاصله أنه ليس بكبير عليهما في مشقّة الاحتراز، أي كان لا يشقّ الاحتراز منه، وهو عند الله كبير، والله تعالى أعلم بالصواب.

[تنبيه آخر]: قال ابن مالك رحمه الله: في قوله: "في كبير" شاهد على ورود "في" للتعليل، قال: وخفي ذلك على أكثر النحويين، مع وروده في القرآن، وفي الحديث، كما تقدم، وفي الشعر القديم، فمن الوارد في القرآن العظيم قوله: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: ٦٨]، وقوله تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: ١٤]، ومن الوارد في الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "وما يعذّبان في كبير"، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عُذِّبت امرأة في هرّة"، متّفق عليه، ومن الوارد في الشعر القديم قول جميل [من الطويل]: