للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "حدِّثني بأرجى عمل عملته"؛ أي: بعمل يكون رجاؤك لثوابه أكثر، ونفسك به أوثق، وفيه تنبيه على أنَّ العامل لشيء من القُرَب ينبغي له أن يأتي بها على أكمل وجوهها؛ لِيَعْظُم رجاؤه في قبولها، وفي فَضْل الله عليها، فيُحْسِن ظنّه بالله تعالى، فإنَّ الله تعالى عند ظن عبده به، ويتضح لك هذا بمَثَل - ولله المثل الأعلى - أن الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهدية، أو تُحفة، فإنْ أتى بها على أكمل وجوهها، وأحسن حالاتها، قَوِيَ رجاؤه في قبولها، وحسن ظنه في إيصاله إلى ثوابها؛ لا سيما إذا كان الْمُهْدَى له موصوفًا بالفضل والكرم، وإن انتقص شيئًا من كمالها ضَعُف رجاؤه للثواب، وقد يتوقع الردّ، لا سيما إذا علم أن المُهدَى له غنيّ عنها، فأمَّا لوأتى بها واضحة النقصان؛ لكان ذلك من أوضح الخسران؛ إذ قد صار المهدَى له كالمستصغَر المُهان. انتهى (١).

(فَإِنِّي سَمِعْتُ) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني سمعت (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "سمِعتُ"، (خَشْفَ نَعْلَيْكَ) بفتح الخاء، وسكون الشين، وبتحريكهما؛ أي: صوتهما، أو حَرَكتهما، قال المجد - رَحِمَهُ اللهُ -: الخَشْفُ، والخَشْفَةُ - أي: بسكون الشين - ويُحَرَّكُ: الصوتُ، والحَركةُ، أو الحِسُّ الخَفِيُّ، أو الخَشْفَةُ: صوتُ دَبيبِ الحَيَّات، وصَوْتُ الضَّبُع، وقُفٌّ قد غَلَبَ عليه السُّهولَةُ. وخَشَفَ كضَرَبَ، وَنَصَرَ: صَوَّتَ، وفي السَّيْرِ: أسْرَعَ، ورأسَهُ بالحَجَرِ: فَضَخَه، والمرأةُ بالوَلَدِ: رَمَتْ به. انتهى (٢).

وفي رواية البخاريّ: "فإني سمعت دَفّ نعليك بين يديّ في الجَنَّة"، وفي رواية الإسماعيليّ: "حَفِيف نعليك"، وفي رواية الحاكم على شرط الشيخين: "يا بلال، سبقتني إلى الجَنَّة؟ دخلت البارحة، فسمعت خشخشتك أمامي"، وعند أحمد، والترمذيّ: "فإني سمعت خشخشة نعليك"، والخشخشة: الحركة التي لها صوت كصوت السلاح.

وفي رواية ابن السكن: "دَوِيّ نعليك" بفتح (٣) الدال المهملة؛ يعني:


(١) "المفهم" ٦/ ٣٧٠.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٠٣٩.
(٣) وقع في نسخة "العمدة" بضمّ الدال، والظاهر أنه غلظ؛ لأنَّ الدويّ في "القاموس" بفتح الدال، وهو الصوت.