للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وقال عياض: لم يُخَرِّج مالك، ولا البخاريّ أحاديث النهي، وأخرجها مسلم من رواية قتادة، عن أنس، ومن روايته عن أبي عيسى، عن أبي سعيد، وهو معنعن، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث، وأبو عيسى غير مشهور، واضطراب قتادة فيه مما يُعِلّه، مع مخالفة الأحاديث الأخرى، والأئمة له، وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عُمر بن حمزة، ولا يُحْتَمَل منه مثل هذا؛ لمخالفة غيره له، والصحيح أنه موقوف. انتهى كلام عياض ملخصًا.

ووقع للنوويّ ما ملَخَّصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء، حتى قال فيها أقوالًا باطلةً، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يُضَعِّف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يذكر الصواب، ويشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعيف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشُربه - صلى الله عليه وسلم - قائمًا لبيان الجواز، وأما من زعم نَسخًا، أو غيره، فقد غَلِطَ، فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، لو ثبت التاريخ، وفِعْله - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروهًا أصلًا، فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرّةً، أو مرّات، ويواظب على الأفضل، والأمرُ بالاستقاءة محمول على الاستحباب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح الصريح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب حُمِل على الاستحباب، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم في أن من شرب قائمًا ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاءة لا يمنع من استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تُترك السُّنَّة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوي، والترهات؟ انتهى كلام النوويّ.

قال الحافظ: وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلًا، بل ونَقْلُ الاتفاق المذكور إنما هو كلام المازريّ كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النوويّ بالجواب عنه.

قال: وطريق الإنصاف أن لا تُدفَع حجة العالم بالصدر، فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس بكون قتادة مدلسًا، وقد عنعنه، فيجاب عنه بأنه صرّح في