المناضلة لمذهبه الحنفيّ، إلا أنه دقّق في دراسة أحاديث الباب، فتوصّل إلى تصويب مذهب الجمهور، ويا ليته سلك هذا المسلك في جميع الأبواب، فإنه واجب كلّ مسلم، إذا صحت سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبلها، ولا يدفعها، وإن خالفها أهل مذهبه، بل وكلّ الناس قاطبة، إلا بحجة تسوّغ مخالفتها، فإن السُّنّة حجة قائمة بنفسها، لا تحتاج إلى من يدعمها، كما صرّح به الشافعيّ وغيره، فتبصّر بالإنصاف، نسأل الله تعالى أن يهدينا سبيل الرشاد، ويُبعدنا عن طريق الغيّ والعناد، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القضاء بشاهد ويمين:
قال النوويّ رحمه الله: اختَلَف العلماء في ذلك، فقال أبو حنيفة رحمه الله، والكوفيون، والشعبيّ، والْحَكَم، والأوزاعيّ، والليث، والأندلسيون من أصحاب مالك: لا يُحْكَم بشاهد ويمين في شيء من الأحكام.
وقال جمهور علماء الإسلام، من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم، من علماء الأمصار: يُقضَى بشاهد ويمين المدعِي في الأموال، وما يُقصد به الأموال، وبه قال أبو بكر الصديق، وعليّ، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وفقهاء المدينة، وسائر علماء الحجاز، ومعظم علماء الأمصار - رضي الله عنهم -.
وحجتهم أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة، من رواية عليّ، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبي هريرة، وعُمارة بن حزم، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم -، قال الحفاظ: أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس، قال ابن عبد البرّ: لا مطعن لأحد في إسناده، قال: ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته، قال: وحديث أبي هريرة، وجابر، وغيرهما حِسَان، والله أعلم بالصواب. انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله: أحاديث هذا الباب كلُّها حجَّة للجمهور على الكوفيين، والأوزاعيّ، والنَّخعيّ، وابن أبي ليلى، والزهريّ، والليث، والْحَكَم، والشعبيّ، حيث نَفَوا الْحُكْم بالشاهد واليمين، ونَقَضوا حُكم من