للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

النهي عن التحريم، والفساد إلى خلافهما، فوجب القول بالبطلان.

وهذا القول هو الذي مال إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، حيث قال: إذا خطب الرجل امرأةً، ورَكِن إليه من إليه نكاحها، كالأب، فإنه لا يحلّ لغيره أن يخطبها، قال: ولكن العقد الثاني هل يقع صحيحًا، أو باطلًا؟ فيه قولان للعلماء:

[أحدهما]: وهو أحد القولين في مذهب مالك، وأحمد أن عقد الثاني باطلٌ، فتنزع منه، وتردّ إلى الأوّل.

[الثاني]: أن النكاح صحيح، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ، فيعاقب من فعل المحرّم، ويردّ إلى الأول جميع ما أُخذ منه، والقول الأول أشبه بما في الكتاب والسنّة. انتهى كلام شيخ الإسلام بالاختصار (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة الخامسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن الخاطب الأول إذا أذن للخاطب الثاني في التزويج ارتفع التحريم، ولكن هل يختصّ ذلك بالمأذون له، أو يتعدّى لغيره؟ لأن مجرّد الإذن الصادر من الخاطب الأول دالّ على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص، ولغير المأذون له بالإلحاق، ويؤيّده قوله: "أو يترك"، وصرّح الرويانيّ من الشافعيّة بأن محلّ التحريم إذا كانت الخِطبة من الأول جائزة، فإن كانت ممنوعة كخطبة المعتدّة لم يضرّ الثاني بعد انقضاء العدّة أن يخطُبها، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له بذلك حقّ، قاله في "الفتح" (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

(المسألة السادسة): أنه استُدلّ بقوله: "على خطبة أخيه" أن محلّ التحريم إذا كان الخاطب مسلمًا، فلو خطب الذميّ ذميّة، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقًا، وهو قول الأوزاعيّ، ووافقه من الشافعيّة ابن المنذر، وابن جويرية، والخطّابيّ، ويؤيّده قوله في أول حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - عند مسلم: "المؤمن أخو المؤمن، فلا يحلّ للمؤمن أن يبتاع على


(١) راجع: "مجموع الفتاوى" ١٠/ ٣٢.
(٢) "الفتح" ١١/ ٤٦٩ - ٤٧٠.