محرمًا": أي في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة، وقيل: المعنى أنهم قتلوه في حرم المدينة؛ لأن المُحْرِم يُطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تُهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك.
وقال بعض أهل اللغة، منهم الأصمعيّ: إن معنى قول الراعي: "محرمًا" في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يُخِلَّ من نفسه شيئًا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير، قول عديّ بن زيد:
يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به حين مَلَّكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل، وذلك هو مراده بقوله: "مُحْرِمًا"، وعلى تفسير قول ابن عباس: "وهو محرم" بما ذُكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس وبين حديث ميمونة، وأبي رافع.
ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - بما ذُكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كلَّ الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باقٍ، فالمصير إلى الترجيح إذًا واجب، وحديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحب القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدَّم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثّلون له بحديث ميمونة المذكور، مع حديث ابن عباس.
ومما يرجَّح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره؛ لأن المباشر لِما روى أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثّلون له بخبر أبي رافع المذكور: "أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو حلال، قال: وكنت الرسول فيما بينهما"، مع حديث ابن عباس المذكور: "أنه تزوجها وهو محرم".
ومما يرجَّح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن