للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

الدارقطنيّ مختصرًا، وزاد فيه: "فنزلت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: ١٠١] "، وله شاهد عن ابن عبّاس، عند الطبريّ في "التفسير"، وفيه: "لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم … " الحديث، وفيه فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} الآية. انتهى (١).

(مَا تَرَكْتُكُمْ) أي: لأني مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا مَحَالَةَ، ولا حاجة إلى السؤال.

وقال السنديّ -رحمه الله-: "ما" مصدرية ظرفيّة؛ أي: مدّة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد: لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبينُ لكم بنفسي. انتهى (٢).

وقال في "الفتح": قوله: "ما تركتكم" أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء، وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي، واسمَ الفاعل منهما، واسمَ مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو "يَذَرُ"، وفعل الأمر، وهو "ذَرْ"، ومثله "دَعْ"، و"يَدَعُ"، ولكن سُمع "وَدَعَ"، كما قُرئ به في الشاذّ في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)} [الضحى: ٣]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلَة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]:

وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ … فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ

ويَحْتَمِل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنّن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني.

والمراد بهذا الأمر: ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو تحريمه، وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالبًا من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستثقَلُ، فقد يؤدّي لترك الامتثال، فتقع المخالفة.

وقال القرطبيّ -رحمه الله-: قوله: "ذروني ما تركتكم": يعني لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيّدَةً بوجهٍ مّا ظاهرٍ، وإن كانت صالحة


(١) "الفتح" ١٥/ ١٨٨.
(٢) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٥/ ١١٠.