ولم ينجح العرب في صناعة الآلة ذات الحلقات والبلوغ بها فنيا مرتبة الكمال فقط، بل أضافوا إليها ثلاث حلقات يستطيعون بواسطتها عمل مقاييس الأفق فاستخدموا «الحداد» وهو الذراع المتحركة للقراءة تجنبًا لعدم الدقة التي قد يقع فيها الباحث من جراء الاقتصار على استخدام الجهاز المعروف باسم ذات الحلقات.
وزيادة في الرغبة في الحصول على قياس دقيق جدًا اخترع العرب آلات جديدة أخرى تقوم على نظريات جديدة وملاحظات جديدة وتجارب جديدة، وهذا الجهاز هو المعرف باسم السمت المربع وقد كان موجودا في مرصد «مراغه» وهو من أحسن وأدق الآلات وقد ركبه جابر بن أفلح، وهذا الجهاز هو الخطوة الأولى التي مهدت لظهور الجهاز الحديث المستخدم في قياس المساحات المعروف باسم «ثيودوليت». وفي عام ١٤٥٠ تمكن الألماني «يوحنا مللر» أحد أبناء «كونيجزبرج» بإقليم «فرنكين السفلى»، والذي كان يطلق على نفسه «رجيومونتانوس» من تقليد جهاز جابر، وصنع جهازًا يشبهه تمامًا وأقامه في مدينة «نورنبرج».
وفي نفس الوقت الذي كان فيه ناصر الدين الطوسي في شرق الدولة الإسلامية يعمل في مرصد المراغة ويراقب النجوم، كان يعيش ملك مسيحي في مدينة «بورجوس» في شمال إسبانيا، وكان هذا الملك قد اقتنع تمامًا بمقدرة المسلمين العلمية وتفوقهم، ولم يتردد في الاستفادة من هذه العبقرية الإسلامية. فهذا الملك المسيحي الذي كان يقدر المسلمين وعبقريتهم العلمية، المسلمين الذين كانوا أعداءه، هو الملك ألفونس العاشر ملك قسطيليا وقد عرفه التاريخ تحت اسم الحكيم ولو أنه لم يشتهر بكياسة سياسته أو إلمامه بأطراف المعرفة أو الثقافة. وكل ما كان يمتاز به هو تقديره للثقافة الإسلامية وتبجيلها، وقد أولع بها حتى إنه أحبها حبًا أفلاطونيًا ولعل الناحية العلمية الإسلامية التي استولت على لبه بصفة خاصة هي نبوغ المسلمين في علم الفلك، هذا العلم الذي يكشف عن مقدرات البشر، والذي ينتقل بالإنسان من الأرض إلى السماء وفي الوقت الذي يكسب فيه الإنسان السماء يخسر الأرض، لذلك شغف هذا الملك جدًا بعلم الفلك الذي أتقنه العرب ونبغوا فيه بينما كانت أوربا حتى الوقت تجهل هذا العلم جهلًا تامًا، أما هو -كما يأمل مستشاروه اليهود- فيجب أن يكون الأول الذي يشيد مرصدًا في مملكته مثله في ذلك مثل