للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
رقم الحديث:

الإصلاحات، كما اخترعوا جديدًا للرصد والقياس، وقد بلغوا بها حد الكمال وأخذتها عنهم أوربا وظلت تستخدمها حتى اخترع المنظار البعيد.

وحدث أن ابن ناصر الدين الذي كان رئيسًا لمرصد المراغة زار يوما ما هذا المرصد فاستولت عليه الدهشة من كثرة ما عاينه ورآه من آلات الرصد، ومن بينها آلة عبارة عن كرة مشتملة على خمسة أطواق لقراءة مواقع النجوم، وهذه الأطواق الخمسة مصنوعة من النحاس، وأول هذه الأطواق هو دائرة نصف النهار وكان مثبتًا في الأرض والثاني خط الاستواء والثالث سمت الشمس والرابع خطوط العرض والخامس الاعتدالان، وقد شاهد ابن ناصر الدين علاوة على ذلك دائرة لقياس السمت وتعيينه.

ومع مرور الزمن أخذت هذه الحلقات في الكبر وهي المستخدمة في هذه الكرة ذات الحلقات الخمس النحاسية، وقد صنعها العرب كما وصفها بطليموس إلا أن المقاييس العربية كانت أدق وأضبط، وقد بلغ قُطر الحلقة النحاسية ثلاثة أمتار ونصف المتر أو أكبر.

وللإنسان أن يتساءل الآن: كيف استطاع العرب صناعة مثل هذه الحلقات العظيمة وهي تحتاج ولا شك إلى شيء كثير من الدقة والإتقان، فهل كان لدى العرب أجهزة تحول الدائرة إلى كرات، أعني آلات خراطة وصناعة مثل هذه الحلقات النحاسية الثقيلة والتي كان يبلغ قطر الواحدة منها نحو خمسة أمتار، وصنعها ابن قرقة حوالي عام ١١٠٠ في القاهرة، وتطلبت الاستعانة بوسائل أخرى تشبه ولا شك آلات الخراطة الحديثة المستخدمة اليوم في أوربا والتي توجد بها رقائق من الصلب قوية تدور وتقطع الحلقات.

ولما انتهى ابن قرقة من إعداد حلقته الكبرى في القاهرة اعترض عليه السلطان قائلًا: لو صنعت حلقة أصغر من هذه لوفرت على نفسك جهدا كبيرا، فأجابه ابن قرقة: لو استطعت أن أصنع حلقة طرفها عند الهرم والآخر يصل إلى الجانب الآخر من النيل لصنعتها، إذ كلما زادت الآلات حجمًا كانت النتائج التي يصل إليها الباحث أدق إذ ما أصغر آلاتنا إذا ما قيست بعظم الكون.

<<  <   >  >>