لتيقن الشجاع بعدم الهلاك، وتيقن الصابر بزوال المكروه، بخلاف الباذل ماله إذا تيقن بالخلود وعرف احتياجه إلى المال دائما فإن بذله حينئذ أفضل مما إذا تيقن بالموت وتخليف المال. وغاية اعتذاره ما ذكره الإمام ابن جنى؛ وهو أن فى الخلود وتنقل الأحوال فيه من عسر إلى يسر، ومن شدة إلى رخاء ...
===
لم يكن له فضل؛ لأن الناس كلهم إذا علموا أنه لا موت بتلك الشدة صبروا حرصا على تلك الفضيلة أعنى فضيلة نفى الجزع، إذ ليست تلك الشدة مفضية إلى الموت الذى هو أعظم مصيبة وما دونها جلل، ومع ذلك لا بد أن تزول عادة بخلاف ما إذا علم الإنسان أن تلك الشدة ربما أفضت إلى الموت الذى هو أشد الشدائد ومع ذلك يصبر عليها، فهذا لا يتصف به إلا القليل من الناس فيثبت له الفضل باختصاصه بما لا طاقة لكل أحد عليه وأما استلزام وجود الموت لفضيلة الكرم واستلزام نفى الموت لنفى فضيلة الكرم فغير صحيح؛ لأن المتبادر أن فضل الكرام إنما يكون عند نفى الموت لا عند وجوده؛ لأن الإنسان إذا علم أنه لا يموت ومع ذلك يتكرم حتى يبقى معدما، والعدم مما يؤدى إلى فضيحة ومقاساة شدائد دائمة فلا يكاد يوجد على هذه الحالة إلا النادر فيثبت له الفضل لاختصاصه بما لا طاقة لكل أحد عليه، وأما إذا تيقن وجود الموت وترك المال هان عليه بذله وعدم بقائه للورثة بعده وهذا مما يكثر مرتكبه فلا فضل فيه
(قوله: لتيقن الشجاع بعدم الهلاك) أى: فلا يكون له فضل باقتحامه الدخول فى المعركة لاستواء الناس جميعا فى ذلك
(قوله: وتيقن الصابر بزوال المكروه) أى:
بحسب العادة وعدم الهلاك بتلك الشدة فلا فضل فيه؛ لأن الناس كلهم إذا تيقنوا ذلك صبروا حرصا على فضيلة عدم الجزع
(قوله: فإن بذله حينئذ أفضل) أى: لأن الخلود يوجب الحاجة لزيادة المال
(قوله: مما إذا تيقن بالموت وتخليف المال) أى: لأنه جدير بأن يجود بماله.
(قوله: وغاية اعتذاره) الضمير عائد على الحشو والكلام من باب الحذف والإيصال أى: غاية الاعتذار عن ذلك الحشو بحيث يخرجه عن الفساد فحذف الجار واتصل الضمير بالمصدر (وقوله ما ذكره ابن جنى) أى: فى شرح ديوان المتنبى، وحاصل