تصور بعيد جدًا عن الواقع، ولهذا جاءت الشريعة بالحث على التستر بالمعاصي وهو شيء بدهي يفهمه عامة الناس فتراهم يرددون: إذا بليتم فاستتروا.
وقد قال ربنا جل وعلا:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}[النور: ١٩] فالمنكر الظاهر يجرئ الناس ويوسع الفساد فإذا لم يظهر غفل عنه الناس وتركوه.
إن الصلاح الظاهر وشيوع الشعائر يؤثر على صلاح الناس، كما أن شيوع المنكرات تؤثر على فساد الناس، فالمنكر إذا انتشر أثر في الناس وزاد ضرره وكثر مرتاديه، فالقضية ليست خاصة بمن يريد المنكر ويبحث عنه، بل إن المنكر إذا شاع سهل في النفوس وخف أثره وجرأ الناس عليه، ولهذا كان من حكمة الشريعة في إنكار المنكر إضعافه وتقليله لئلا يؤثر على الباقين، فالمنكر يؤثر على الصالحين، وليست الصورة أنه منكر متجذر في نفوس الناس بدأ معهم فطرة، بل إن تركه وطول العهد به هو الذي يجعله منتشرًا وتقبله النفوس، وإذا حورب وضيق عليه قل أثره وضرره.
(٨)
وهذا الإلزام لا يخلو منه أي قانون ولا نظام معاصر، فكل الأنظمة المعاصرة تقوم على قوانين وأنظمة ملزمة في كافة شؤون حياة الناس، والالتزام بها ضرورة، حتى ولو خالفها بعض الناس فلا يتصور أن يخطر ببال أحد أن مخالفتهم تعني أن القانون لم يعد له أهمية فإما أن تلتزم به أدبيًا أو لا حاجة له؟
لا أحد يفكر بهذه الطريقة لأن هذا شأن معيشي بدهي، والناس يعرفون أن القانون إذا قوي واستقر زادت قناعة الناس به ورضوا به مع كونهم في الأصل مكرهين عليه وملزمين به.