زماننا الفتوى على الحنث وإن لم يكن مالكاً؛ إذ لو قيل للحالف: أي دار أردت؟ لا يشير إلا إلى الدار التي يسكنها.
وما قاله مستمد من جعل لفظ "الحرام" صريحاً في الطلاق، كما صار إليه متأخرو الأصحاب، ومن أن المعتبر في الأيمان عرف اللافظ، لا عرف اللفظ، على ما سنذكره فيما إذا حلف: لا يدخل بيتاً.
وقد حكى الرافعي في آخر هذا الباب عن الروياني: أن الفتوى على ذلك، لكن قاله فيما إذا حلف: لا يدخل حانوت فلان.
قال: إلا أن ينوي ما يسكنها، أي: فحينئذٍ يعمل بقوله؛ لأن الشرع ورد باستعماله في ذلك على سبيل المجاز؛ فأثرت فيه النية، قال الله- تعالى-: {لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ}[الطلاق: ١] والمراد: بيوت الأزواج.
وإنما قلنا: إن ذلك على طريق المجاز؛ لأنه يجوز ان يقال بعد قول القائل: هذه دار فلان: لا، وإنما يسكنها. ولو كانت حقيقة لما صح مثل ذلك.
واعلم أن كلام [ابن] يونس في هذا الموضع يقتضي أنا إنما نعمل مبا نواه إذا كان الحلف بالله- تعالى- أما إذا كان بالطلاق والعتاق، فيدين.
وهذا فيه نظر؛ لأن الحالف إنما يدين فيما ينفعه إذا كان على خلاف الظاهر، أما ما فيه تغليظ عليه فيقبل منه في الظاهر، وهذا مما فيه تغليظ عليه.
قال: وإن حلف: لا يدخل مسكن فلان، فدخل ما يسكنه بكراء أو عارية- حنث؛ لأنه قد وجد السكون حقيقة، ولهذا لا يصح نفيه عنه.
ولو دخل مسكنه المغصوب، ففي "المهذب": أنه يحنث.
وحكى الغزالي في الحنث وجهين.
ولو دخل ملكاً له: فإن كان يسكنه حنث، وإلا فثلاثة أوجه، حكاها الإمام ومن تابعه، ثالثها: إن كان قد سكنه ساعة ما، حنث، وإلا فلا.
وهذا كله [إذا أطلق، أما لو أراد بيمينه مسكنه المملوك لم يحنث بغيره بحال، هكذاي حكاه الرافعي، وكان يتجه أن يجيء فيه ما حكيته عن ابن يونس في المسألة قبلها.