للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: "كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث سنين، ثم قدمت على عمر ومعي فلانة بنت فلان -امرأة منهم- فقال عمر -رضي الله عنه-: لولا أني قاسم مسئول لتُركتكم على ما قُسم لكم، ولكن أرى أن تردوا على الناس".

ثم إن أصحاب الشافعي -رحمه الله-: استدلوا بهذا على أن عمر -رضي الله عنه- قسم أرض السواد وملكهم زقاب الأرضين.

قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر على إعطائه دون الخراج؛ ليكونوا أسوة كسائر الناس.

فإذا قلت: إنما دفع عمر -رضي الله عنه- السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإِجارة، والأجرة قد تسمى خراجًا، قال النبي -عليه السلام-: "الخراج بالضمان"، ومراده أجرة العبد للمشتري إذا رد بالعيب.

قلت: هذا غلط من وجوه:

الأول: أن عمر -رضي الله عنه- لم يستطب نفوس القوم الغانمين في وضع الخراج وترك القسمة، وإنما تشاور، وحاجَّ من طلب القسمة بما أوضح به قوله ولو كان قد استطاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة.

الثاني: أنه كيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر -رضي الله عنه- أنه رأى ردَّه على المسلمين، وأظهر أنه لا يسعه غيره؛ لما كان عنده أنه الأصلح للمسلمين.

الثالث: أنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك الاقتصار على إعطائه دون الخراج كما ذكرناه آنفًا.

وأما قولهم: "الأجرة قد تسمى خراجًا" ففاسد أيضًا؛ لأنه لا خلاف أن الإِجارات لا تجوز إلا على مدد معلومة إذا وقعت على المدة، وأيضًا فإن أهلها لا يخلو إما أن يكونوا عبيدًا أو أحرارًا، فإن كانوا عبيدًا فإن إجارة المولى من عبده لا

<<  <  ج: ص:  >  >>