يجوز أن يكون رزق المؤذن من بيت المال، يجوز أن يكون من مَالِ الإِمَام أو واحد من الرعية. وذكر الصيمَرِيُّ في "المفتي": أنه يجوز أن يرزقه أهل بلده، ويمكن أن نفرِّق بأن ذلك لا يورث تُهمةً وميلاً في حق المؤذِّن؛ لأن عمله لا يختلف، والقاضي أجدر بالاحتياط من المُفْتِي، وكما يُرْزَقُ الإِمام والقاضي من بيت المال، فكذلك يُرْزَقُ مَنْ ترجْعُ مصلحةُ عمله إلى عامة المسلمين؛ كالأمين، والمفتي، والمحتسب، وإمام الصلاة، والمُؤَذِّن، ومَنْ يُعلِّم الناس القرآن، ومن يُقِيمُ الحدود، وكالقسام، وكاتب الصكوك، وإن لم يكن في بيت المالِ مالٌ، فلا يعين قسامًا ولا كاتبًا، كيلا يغالي في الأجرة، وألحق بهؤلاء المقوِّم.
وفي المترجم وجهان:
أقربهما: أنه يُرْزَقُ من بيت المال أيضًا كهؤلاء.
وثانيهما: المنع، كالوكيل، وهذا ما خرجه صاحب "التلخيص" ويُحْكَى عن أبي زيْدٍ أيضًا، وعلى هذا، فمؤنة من يترجم للمدعى عليه على المدعى عليه، والمُسْمِعُ كالمترْجِم؛ ففي مؤنته هذان الوجهان، فهذه مسألة الكُتَّابُ والوجهان جاريان في المزَكِّي، والقول في الشاهد أخرناه إلى "كتاب الشهادات".
فَرْعٌ: قال القاضي ابن كج: ذكر جماعة من فقهاء أصحاب الشَّافعي -رضي الله عنه- وأبي حنيفة -رحمه الله-: أنه إذا لم يكن للقاضي شَيْءٌ من بيت المال، فله أن يأخذ عُشْرَ ما يتولاَّه من أموال اليتامى والوُقُوف؛ للضَّرورة، ثم بالغ في الإنكار عليه. وقَالَ: إنَّه لا ضرورةَ في هَذَا، إن لم يتفرَّغْ للقضاء من غير رِزْقٍ؛ فليمتنع منه، ومن ذهب إليه، فكأنه ذكر العُشْر تمثيلاً وتقريبًا، ولا بدّ من النَّظَر إلى كفايته، وإلى قَدْر المال والعمل.
آخَرُ: في شرح "أدب القضاء" لأبي سعد الهَرَوِيِّ: أن القاضي إذا لم يكن له رزقٌ من بيْتِ المال، وكان محتاجًا، ولم يتعيَّنْ عليه القضاء، فله أن يأخذ من الخصم أجرةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، وإن تعيَّن، قال أصحابنا: لا يأخذ عنه بدلاً، وقال القاسمُ يعني: صاحب "التقريب": إن شاء الله يأخذ كصاحب الطعام في المخمصة، والفَرْعُ غريبٌ مُشْكِلٌ.
إحداها: المُستَحَبَّ أن يكون مجْلِسُ القضاء فسيحًا، لا يتأذى الحاضرون لِضِيقِهِ، وأن يكون بارزًا، لا يكون دونه حجابٌ؛ ليهتدي إليه المتوطِّن الغريبُ، ويصل إليه كلُّ